تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات

عرض الكاتب من مشاهداته في كوريا منهجًا يقوم على تشخيص الواقع واستغلال الإمكانات المتاحة، ورأى أن المقارنات التراتبية لا تنصف اختلاف السياقات الثقافية والمادية.

تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات

أثير – ناصر الحارثي

 إن أهم ما تتميز به شعوب شرق آسيا هو الانطلاق من منهج الواقعية أو العمل على الواقع المحيط بها ومحاولة السعي إلى استغلال كافة الإمكانات المتوافرة  وليس السعي إلى توفير كافة التقنيات الموجودة في العالم، وهذا ما يتمثل أمامي واقعا وأنا أتجول بين مدن كوريا والجلوس مع كافة طبقات المجتمع.

تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات

تبدأ فكرة التعايش مع الواقع من قاعة المحاضرات حيث تحدث المحاضر الكوري الذي كان محاضرا في الولايات المتحدة الأمريكية عن واقع مجتمعه الكوري منطلقا من منهجية واقعية لا تراتبية، حيث كان يقدم محاضرات حول كيفية تعامل الشعوب في شرق آسيا مع الإعلانات والوسائل الإعلامية مقارنة بنظيرتها الغربية من خلال نمطها الثقافي، فيستعرض تارة دراسة بين عينة يابانية وعينة استرالية وتارة أخرى مع عينة أمريكية وكذلك المجتمع الكوري أو الصيني ونظيره الغربي، وما شدني في هذه الدراسات المقارنة أنها تخضع لمنطق الواقع وتشخيص الباحث لا تحديد من هو الأعلى ومن هو الأدنى وأي الشعوب تمتلك ثقافة رائدة وأيها تملك ثقافة رجعية، وفي السياق نفسه هناك نقطة مهمة يذكرها حول المجتمع الكوري دون أية حساسية وهو أن المجتمع يخضع لتغيرات فكرية وثقافية واجتماعية جراء اتساع رقعة المدن، والمثير للاهتمام في هذا الشأن أيضا أننا نجد الكبار والصغار وكل أطياف المجتمع يقبل التغيرات بواقعية ودون الأسى على الماضي والتباكي عليه أو الحكم بأفضلية جيل على جيل بل تقول لي امرأة عجوز: “باختصار هذا ما يحدث في المجتمع”،. لذلك لا غرابة أن نجد في الشارع وفي محطات القطار ومختلف أماكن الاستجمام أن الجد يتعلم من الطفل كيف يستخدم الهاتف ليلتقط له مقطع فيديو ويتفاعل معه، وكذلك يتحدث المحاضر أننا مجتمعات جمعية ولا يستخدم مصطلح القطيع.

تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات

 وفي نطاق آخر نجد الجميع يتكيف مع واقع الحياة دون التذمر حول المسافات الطويلة والصعود والهبوط المستمر من السلالم أو كثرة الأمطار والتي قد تعيق سرعة الحركة لا الحركة ذاتها، كما نجد في منطقتنا التذمر المستمر من حرارة الشمس ، وأما حول التقنيات المستخدمة في المجتمع فعلى الرغم أن البلد تملك شركات تقنية رائدة وذات مستوى عالٍ إلا أن استخدام التقنيات متباين جدا تبعا لظروف المكان والمعطيات المادية فبين مؤسسات تستخدم تقنيات أكثر تقليدية وقد تكون يدوية جدا وبين مؤسسات تتفاعل مع آخر صيحات التقنية فالعبرة في استغلال المتوفر لا السعي إلى جلب آخر صيحات السوق، لذلك تعد المقارنات حول أفضلية مجتمع على آخر هي مقارنات غير عادلة وهو ما يسمى الجزء الخارجي من الصورة وباللغة الإنجليزية “ETIC”.

تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات
تأملات من كوريا (١): الواقع لا المقارنات

في الختام سأحاول من خلال سلسلة مقالات التسليط حول عدد من السياقات التي تعكس واقعية المجتمع وهذا ما أجده حتى في مقالاتهم وأنا أتأمل كتاباتهم حيث وجدت مقالا بعنوان “اجعل العمل يقود الفكرة”، لذلك لا نجد الغرق الكبير في تحليل الأفكار ودراستها والإسهاب في معرفة مدى صحتها ونجاحها، وكذلك فهي شعوب لا تغرق في خصوصية مجتمعها بل تتفاعل من المتغيرات الثقافية الخارجية والداخلية بتناغم يعكس الفلسفة الشرقية التي تسعى إلى التفاعل مع الطبيعة والانسجام معها بدل محاولة السيطرة عليها كما هو الحال في الثقافة الغربية أو الاستسلام والانقياد لها كما هو في فلسفة الهنود الحمر، وهذا سر الشكل الهندسي لتصاميم قصورهم ومعالمهم الأثرية والذي يعني تفاعل الإنسان ومنجزاته مع كافة أنماط الطبيعة .

شارك هذا الخبر