مرفت عبدالعزيز العريمي
اعتقدت حينها أن الحياة في أصلها هادئة، وجميلة تخلو من المنغصات، لم أكن أعلم إنه كان يتركها خارجا، ولا يسمح لها أن تتجاوز عتبة المنزل ..في أحلك الظروف كان متماسكا لا أذكر إنني رأيته متجهما، أو غاضبا كان يبدو لي سعيدا، ومرحا حتى عندما كنا نرتكب الكثير من الحماقات الطفولية كانت نظرة منه تكفي لردعنا.. لا أذكر إنني سمعته يرفع صوته يوما لتوبيخنا، أو لتوبيخ مخطىء في كل تجربة جديدة نخوضها كان حاضرا يراقب عن بعد كيف سنتصرف، ويتدخل في اللحظة الحاسمة . لم أكن أعرف بعد أن الحياة ليست وردية، وهي عبارة عن سهول، ووديان، وجبال مليئة بالحفر، والمطبات، وإن البشر معادن، وقدرات، وامكانيات إلا بعد أن مررت بالتجارب، وهو غائب عنا أدركت يومها أن التحديات، والمشكلات كانت موجودة، لكنه منعها من الدخول حتى لا تمكث في عقولنا .
وتيقنت أن ما كان يحدث أمامي ما هو سوى تغافل لأخطاء تافهة لن يسبب التشبث بها سوى المزيد من الألم، وإن الكمال لله، وليس لبشر فهم خطاؤون، ويعانون ويتألمون، ويغضبون …
هذه طبيعة الحياة، فالسماء تغضب، والأرض كذلك، ودوام الحال من المحال، فكيف لنا أن نطلب ما هو مخالف للسنن الكونية قيل على لسان المقنع الكندي “وإن الذي بيني، وبين بني أبي، وبين بني عمي لمختلف جدا، فإن أكلوا لحمي، وفرت لحومهم، وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ،ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقد”
أدركت أن الجري وراء الكمال خرافة ولا وجود للمثالية في الحياة الأسرية ، والزوجية، وما نراه اليوم في وسائل الإعلام، والدراما، والسينما عن الجمال والرشاقة والمثالية في كل شيء ماهي سوى نزعات استهلاكية لدفع الناس إلى المزيد من الاستهلاك لاشباع الرأسمالية الجشعة ومن المؤسف ان ينصاع الناس الى تلك الصيحات باعتقادهم بانهم لم يحالفوا الحظ في الطريق لذلك لم يحضوا بحصة من الجمال او الحياة الرغيدة التي نراها فالجمال يتبلور في الاتزان وليس بالكمال وفي التركيز على تقوية نقاط ضعفنا وتقليم نقاط قوتنا.
ان التجاهل والتغافل هو ما كان يقوم به آباؤنا وأجدادنا لتسيير مركب الحياة والتركيز على الأهداف، وهم مقتنعون أن الرزق مقسوم، وأن طريق النجاح محفوف بالتحديات، والمخاطر، وأن الهفوات الصغيرة لا تقتل والتغاضي عنها أفضل، وأسلم، فلم نسمع أن هناك من مات بعد تناول طعام غير شهي ، أو بات في غير سريره وفي المقابل لم نسمع أن الغضب، والتجهم يساعد في حل المشكلة، وأن أصحاب الأصوات العالية أكثر اقناعا من الهادئة، علما أن العكس صحيح، فالصوت العالي يشتت الانتبا،ه ويزعج السامعين ولا يحقق الهدف المطلوب، فالأصوات العالية هي ظاهرة تنم عن ضعف الفكرة، والقدرة على الاقناع، وهي ظاهرة للأسف أصبحنا روادها. .
كانت وصفة السعادة عند ابائنا تعتمد على فن التغافل، والتجاهل، يقول جون لينون “عندما كنت في الخامسة من عمري كانت أمي تقول لي دائما بأن السعادة مفتاح الحياة، وفي المدرسة سألوني : ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر ؟ فكتبت : أنا أريد أن أصبح سعيدا ،فقالوا لي: أنت لم تفهم السؤال ،فقلت لهم: أنتم لم تفهموا الحياة.”
فعلا تصبح الحياة كئيبة ولا تطاق إن اوّلنا كل كلمة نسمعها ونلهث وراء كل كلمة يقال عنا، ونحاسب كل من أساء إلينا وندافع عن كل كلمة هجاء قيلت فينا وننتقم من كل من يختلف معنا ، أو يعادينا.
اليوم أدرك أن ما كان يقوم به والدي هو التغافل، والتجاهل، وهو صبر على المنغصات، لأنه أدرك بأن الصوت العالي، والعنف اللفظي سيعمق من حجم المعضلة ولا يحلها عندما نضجت علمت انه كبقية البشر واجه من التحديات الكثير ففي زمنهم التعليم والعمل كان يعنيان الهجرة الى الخارج وتحمل الغربة بحلوها ومرها في زمن كان التنقل صعبا ومكلفا الا انه لم يكن يحمل المشكلات في عقله طوال اليوم بل يتركها في اماكنها ويوجد لها حلولا حتى لا تتعدى عتبة المنزل فلم يكن يسمح لها ان تعكر صفو حياتنا الدافئة .
لقد كان زمنهم جميلا لأنهم أرادوه ان يكون كذلك، فالحياة بدون مصاعب لا طعم لها، ولا رائحة، فالمتعة في أن تبلغ الغاية بعرقك، وكدك إننا الأحوج اليوم الى اتقان فن التغافل خصوصا في الحياة الزوجية، والأسرية لأنها ارتباط دائم، وأكاد أجزم أن قليلا من الصبر، والتغافل يمنحنا الكثير من السعادة، والسكينة، لكننا قليلا ما نرى المتغافلين في هذا الزمن، فالغضب، والحساسية المفرطة في تفسير المواقف، والأحداث تنم عن ضعف القدرة على التحمل لأننا فقدنا من كان يعلمونا الصبر اختم مقالي بقول لاندرو كارنجي “من يتقن الصبر يمكنه أن يتقن أي شىء آخر”
كاتبة وباحثة عمانية




