” الكاتب لا يمكن له أن يبدع النصّ الكبير في مجتمعات تعاقبه على أفكاره”
” ما دمت حيّا لأكتب عن الحياة وعن الضوء وما عداهما مؤجل”
حاوره: محمد الهادي الجزيري
عرفته يوم قرأت رواية ”الوشم” في منتصف الثمانيات ، ومنّ عليّ قدري بالاقتراب منه حين صار تونسيّ الهوى، ومنذ تلك الفترة وأنا أتابعه وأقرأ له كلّ جديد، وإثر عودته من بيروت جلستُ إليها وتحدثنا في الكثير ممّا يهمّ الإنسان العربي، ويسعدني أن يطلّع قرّاء ”أثير” على خبايا نفس أحد أعلام الأدب العربي الحديث.
*س1: لماذا سافرت إلى لبنان مؤخرّا وبمن التقيت من الأصدقاء؟
*ج1: سبب زيارتي لبيروت كان لحضور أربعنيّة الروائي القاص السوري ياسين رفاعيّة الذّي اختار الإقامة فيها منذ الستيّنات، هذا الرجل الذّي ارتبطت به بعلاقة صداقة قويّة منذ أن نشر لي مقالا في مجلة المعرفة السورية، كان ذلك عام 1962، ثمّ التقينا وجها لوجه في بيروت سنة 1971 حيث تحوّلنا من دمشق بعد أن حضرنا مؤتمر الأدباء العرب.
في ذلك الوقت كان ياسين قد اقترن بالشاعرة أمال جرّاح واختار بيروت مستقرّا له وبقي وفيّا لهذه المدينة رغم أنه قد غادرها لبعض الوقت إلى لندن حين اشتدّت الحرب الأهلية التّي أوحت له بروايتين متميزتين، هما ”الممرّ” و”رأس بيروت”.
لقد أقيمت الأربعينية بحضور عدد من أصدقائه و ولده بسّام الحيّ المتبقي من الأسرة الذّي جاء من لندن لهذه المناسبة، قدمّت ما يشبه الشهادة تحت عنوان: ”ياسين رفاعيّة وعمر من الصداقة”
أتيح لي بالمناسبة أن أرى طبعة جديدة من روايتي ”نحيب الرافدين” التّي شاركت في نشرها أربع دور نشر عربيّة، كما التقيت بكثير من أصدقائي المحبين الذّين عايشتهم في سنواتي اللبنانيّة مثل أنطوان رعد، هنري صغير، وعماد موسى، وابلي مارون خليل، وأجمل المفاجآت التّي كانت تنتظرني لقائي بالصديق الشاعر الكبير قيصر عفيف، المقيم في المكسيك حيث يصدر من هناك مجلته ”الحركة الشعرية”، هذا الرجل الذي نشر لي في المجلة عددا من القصائد النثرية كما أنه نشر لي كتابا بعنوان ” فصول من كتاب الحبّ التونسي” يضمّ عددا من قصائد النثر أيضا.
لبيروت فضل على الأدباء العرب الذين احتضنت كتبهم ومؤلفاتهم ونصوصهم في مجلاتها ودور نشرها وأنا أحدهم، إذ بدأت النشر في مجلات لبنان عام 1962، كما بدأت بنشر كتبي منذ عام 1986، وما نشرته فيها هو الذّي أوصلني وأوصل كتاباتي إلى القارئ العربي، على عكس الكثير من البلدان العربية التّي لم يكن ما ينشر فيها يوزع خارج حدود هذه البلدان.
س2: أصدرت أربع مجاميع قصصية ثمّ أبدعت روايتك الأولى، هل أنّك مع القول القائل بأنّ الروائي الحقيقي يجب أن يكتب القصّة أولا أم أنّ لكلّ تجربته الخاصة والأمر لا يحتاج إلى ترتيب؟
أعتقد أنّ لكلّ تجربته الخاصة في هذا المجال كما ورد في سؤالك، فهناك كتّاب لم يكتبوا إلاّ الرواية وهناك كتّاب لم يكتبوا إلاّ القصّة القصيرة وهناك من جمع بين الفنيّن الأدبيين، ويبدو لي أنّ الكاتب في بداياته يحتاج إلى المزيد من الخبرة الكتابيّة والحياتية التي لا يستطيع أن يمتلكها بسهولة، ومن النادر أن يبدأ الكاتب برواية وتأخذ هذه الرواية الصدى المطلوب،ـ لقد كنت أعتبر نفسي كاتب قصّة قصيرة، أم كما يصفني المرحوم القاص العراقي عبد الستار ناصري: ”القصّة هي حبّي الأوّل”. ولكني بعد أربع مجاميع قصصية وجد نفسي أكتب رواية دون أن أتعمد ذالك، هكذا امتدت الصفحات وتعددت الشخصيات فكانت روايتي الوشم الصادرة عن دار العودة سنة 1972، ثمّ توالت طبعاتها فصدرت منها طبعة تونسية سنة 1976 عن الدار العربية للكتاب ودرّسها الأستاذ توفيق بكّار ومازال الكثير من تلاميذه في تلك المرحلة يذكرون الرواية ولهم كتابات عنها.
ثمّ أعيد طبعها في بيروت وتونس عدّة مرّات، وآخر طبعاتها صدرت في المغرب في سلسلة روايات الزمن، هذه الرواية لم تصدر أبدا في العراق رغم أنها من بدايات روايات السجن السياسي في العراق.
وبعد ذلك كان هناك مراوحات بين المجاميع القصصية والروايات، ولم تقتصر كتاباتي كما تعلمُ على القصّة والرواية بل قصيدة النثر والمقالات النقدية وكتب السيرة، لي كتاب اسمه ”من ذاكرة تلك الأيام، جوانب من سيرة أدبيّة”، وكتاب آخر اسمه ” أية حياة هي: سيرة البدايات”.
س3: قلت في حوار سابق أنّك أقدمت على حرق مذكراتك التّي فاقت الألف صفحة عام 1987 حين اكتشفت أنّ شخصا ما قرأها دون علمك، يتساءل القرّاء عن مدى تأثير هذا الشخص في حياتك؟ وهل تفكّر في كتابة سيرتك الذاتية مرّة أخرى؟
تلك لم تكن سيرة، كانت وقائع مما أعيشه يوميا من علاقات وما أدونه من أفكار وتجاربي العاطفية في ذات الوقت. وسأعترف الآن بعد هذه السنوات أنّ التّي قرأت هذه السيرة هي المرحومة زوجتي الأولى، ولذلك قررت حرقها وإتلافها لكنّي بعد سنوات وفي تونس بأنّ سيرة الكاتب هي ليست سيرته وحده، وإنما سيرة مدينته وأصدقائه بل وسيرة وطنه.
وأقول لك أنّني عندها بدأت في كتابة ”أيّة حياة هي: سيرة البدايات” لم أكن أفكّر في نشرها بهذه السرعة، حتّى جاء إلى تونس صديقي المرحوم الدكتورسهيل إدريس، وطلب منّي أن يطلّع عليها، ثمّ حين كان مسافرا قال لي: ”هذه السيرة سأنشرها في دار الآداب”، وهذا ما كان.
الآن تفرّغت منذ أشهر في كتابة جزء ثاني من هذه السيرة بعنوان : ”زمان الوصل في بغداد” عسى أن تصدر قريبا، وأقول لك بلا إدعّاء، لقد تحدثت مرة عن الجزء الأول وقلت أنّ فيه أحداثا لو لم أكتبها أنا لما كتبها أحد أبدا، فكثير من تفاصيل هذه السيرة تبدو غريبة حتّى لمن جاؤوا بعدنا من أبناء مدينة الناصريّة، نفس الشيء الذّي فعلته في روايتي ”القمر والأسواق” عن مرحلة الملكيّة في العراق.
إنّ الأحداث والأشخاص بل وحتى جغرافيا المدينة كانت تمثّل الزمن الذّي مضى، ولذا أقول أنني عندما كنت في الناصرية في بداية العام أحسست أنني لا أعرفها، لقد ضاعت عليّ وتبدّلت ولم تعد الأماكن كما تركتها، وهذا منطق الحياة طبعا، لكنني بشكل أو آخر قمت بتوثيق ما كان وما عرفته وما عشته وسيظلّ هاجسي وشاغلي أن أواصل كتابة المراحل التاريخية والسياسية من العراق الحديث، أي الملكية والجمهورية.
كنت شاهدا بالمناسبة على ولادة النظام الجمهوري إذ كنت حينها من الطلبة المهتمين بالسياسة حيث كان لأحزاب اليسار نفوذها على الشباب.
واصلت كتابة عدد من الروايات التي لو ما قرأت متتابعة ستشكّل قراءة للتاريخ السياسي العراقي القريب والتحولات الاجتماعية، وآخر رواياتي المنشورة عنوانها ”هناك في فج الريح” نشرت في تونس عن دار نقوش عربية، وجرى فيها الحديث عن أحداث الكويت بعد دخول جيش العراق لها وانسحابه منها.
س4: كانت روايتك الوشم صرخة في وجه الدكتاتورية وتبشيرا بعهد جديد يفخر بالحبّ والحريّة وتبشيرا بعهد جديد يفخر بالحبّ والحريّة و الإنعتاق ، أمازلت تؤمن بما حلمت به خاصة بعد ما حدث في العراق وسوريا؟
ج4: من حيث المبدأ لا خلاف حول النضال المشروع من أجل الحرية والديمقراطية ومن أجل بلدان عربية لا يعاني مواطنوها القهر والكبت والخوف.
وأنا كنت منذ كتاباتي الأولى أؤمن بأن الكاتب لا يمكن له أن يبدع النصّ الكبير في مجتمعات تعاقبه على أفكاره ويدفع الثمن سجنا وتشردا وكان هوسي كبيرا في الانغماس في حياة أصدقائي المتحزبين و وسائل تصديهم لما يفعله بهم النظام، أو الأنظمة التي تعاقبت على الحكم، وغالبا ما كنت أسمّي الأشياء بمسمياتها مما سبّب لي عدة مشاكل، أذكر أن روايتي ”خطوط الطول خطوط العرض” قد منعت من معرض الكتاب في بغداد ورفعت النسخ العشرون لتوضع مع الكتب المعدة للحرق، رغم أني كنت آنذاك موظفا دبلوماسيا، ولديّ شاهد وهو الصديق الناقد ماجد السامرئيّ، الذي قال لا يهمك وذهب مع أحد معارفه إلى المخازن عائدا بنسخ قمت بتوزيعها على الأصدقاء الحاضرين.
الكتابة الحقيقية في تقديري هي كتابة معارضة، وإذا لم تكن كذلك فستكون باهتة تمرّ ولا ترسخ في الذاكرة.
س5: عاشرت الأدب التونسي وكتبت عنه مئات المقالات، فما رأيك فيه صراحة؟
ج5: الأدب التونسي كما هو شأن الأدب العربي في البلدان الأخرى، له ما له وعليه ما عليه، وهناك كما هو الحال في البلدان العربية فورة أدبية، من شأنها أن تنجب وتقدم النصوص التّي ستضيف وتحقّق التألق وفي كلّ مرحلة من مراحل الأدب التونسي هناك أسماء تشعّ، بكلّ ما تعنيه الكلمة من أبو القاسم الشابي وصولا إلى المسعدي واليشير خريّف وصولا إلى الستينات والسبعينات لأعمال مصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري، ثم هذا العدد الكبير من المتواجدين حاليا: حسن بن عثمان وصلاح الدين بوجاه والحبيب السالمي، وأنا هنا أذكر الساردين بوجه خاص لأن للشعر حكايته الأخرى وفورته أكبر من فورة السرد.
الشعراء لا حصر لهم ومن خلال وجودي في هيئة تحرير مجلة الحياة الثقافية تمر بي أسماء كثيرة فيها أسماء مهمة وأخرى واعدة وأخشى من ورطة ذكر الأسماء ولكن لا بأس أن نقول أنّ أحدهم صديقنا محمد الهادي الجزيري الذّي كتبت عنه أكثر من مرّة، ومن الذين سبقوه أكثر الواهيبي والغزّي وفتحي النصري.
س6: ألا ترى أن الكاتب حين يتقدم به العمر تقتحمه الأفكار الوجودية؟ هل كتبت بدورك عن الموت أم أنّك متصالح معه؟
ج6: ما دمتُ حيّا، أتنفس هواء العالم فإنّ الموت ليس شاغلي لأنّني أرى أصدقاء لي قد رحلوا مبكرين وهناك من هم أكبر منهم مازالوا يعيشون في أحلامهم التّي لم تغادرهم ولم يسرقها منهم الزمن، فما دمت حيّا لأكتب عن الحياة وعن الضوء وما عداهما مؤجل وبالتأكيد أنني لن أكون كاتبهم عندما أغادر هذا العالم.
س7: لا بدّ أن تعرّف القرّاء عن مشاريعك القادمة، هل أنت بصدد كتابة رواية جديدة؟
ج7: أريد الآن أن أستكمل مراجعة الكتاب الثاني من سيرتي الذاتية ”زمان الوصل في بغداد” و لديّ مشاريع قصص قصيرة، فالقصّّة القصيرة هي محطتي ببين رواية وأخرى، وقد نشرت إحدى القصص في مجلة الحياة الثقافية مؤخرا.
لديّ أيضا مشروع رواية ولكن المشكل الآن في هذا الخلط والاختلاط والضبابية الكبيرة في المشهد السياسي العربي كاملا. على سبيل المثال بدأت أقرأ روايات عراقية نظرا لاحتدام الأحداث في العراق شكلت لي بشارة تفاؤل برواية جديدة تمثلت في روايات بدر السالم، حميد المختار، أحمد السعداوي ، رغد السهيل، و وفاء عبد الرزاق، والهام عبد الكريم، و ميسلون هادي، و طه الشبيل وأسماء أخرى.
قس تونس مازلت أنتظر أيضا الروايات التّي تشكل شهادة عن هذه المرحلة وكانت لنا قراءات في روايات من شعراء مثل منصف الوهايبي وجامعيين مثل حسين الواد أو شكري مبخوت، وهناك روائيون بدأوا بتجارب متميّزة ومن ثمّ لم يكتبوا وانشغلوا بالتلفزيون مثل حسن بن عثمان وأسماء أخرى كثيرة، كما تعلم، المتابعة لم تعد بالحماس نفسه لأنّ الوقت يضيق والعيون تعبت من القراءة وبدأت تأخذنا متع أخرى مثل وسائل التواصل الاجتماعي التّي تأخذ من وقتنا الكثير.
انتظروا أيضا طبعة جديدة لروايتي ”خطوط الطول خطوط العرض ” في المغرب على سبيل مثال.




