نحن لا نكتب الكلمات بل الحياة

في مقال نشر عام 2016، عرض محمد الهادي الجزيري أربع خانات للكتّاب، منتقدًا الكتابة المنفصلة عن الذات والحياة والناس، والنصوص الجامدة أو الغارقة في الجغرافيا والتراث.

نحن لا نكتب الكلمات بل الحياة
Atheer - أثير

محمد الهادي الجزيري

حسنا أعتقد أنني سأجد راحتي في الكتابة عن أيّ شيء لا علاقة له بالفوضى المستشرية اليوم في الوطن العربي، يكفي الناس ما يرونه ويسمعونه في كلّ لحظة من أهوال وبشائع ، سأكتب عن أمّ العيال التي اشترت نصيبا من الحبوب ونثرته على سطح البيت لتستدرج الحمام المقيم في صومعة المسجد القريب ، مسكينة أمّ العيال ، كأنّها تبحث لبيتها عن السلام في زمن القتل والسحل فلم تجد خيرا من الاستنجاد بالحمام الذي لم يلبّ دعوتها للأسف، لعلّه مهووس باقتناص أشياء أخرى أهمّ ولعلّه أصيب بعمى البصر والبصيرة كسائر الخلق، لعله لجأ كالكاتب العربي إلى حيلة بارعة للخوض في اللاشيء في الكلام عن كل شيءـ،

فهو ليس سوى موظّف لدى الأسرة والقضيّة والدولة والمجتمع؟، ( يمكن القول أنني عدت إلى نفس الدائرة )…، لا بأس سنجرّب الكتابة عنه ما دام قد سطا على الذاكرة …، إنّه أشدّ الكائنات الحيّة والميتة حرصا على السلامة وذلك بإرضاء جميع الأطراف والجهات والحساسيات المختلفة، هذا ما يبدو إذا راجعنا على عجل ذاكرتنا الجماعية وجردنا المدوّنة الأدبيّة العربيّة، فأغلب الكتّاب يمكن إدراجهم في الخانات التالية:

خانة أولى: كاتب يقدّم نفسه داخل كلّ نصوصه ناطقا رسميّا باسم فلسطين والعراق وغيرهما من الجراح العربيّة، ولا شيء آخر.. لا طفولة له ولا عشق ولا شكّ ولا ضعف ..لا شيء على الإطلاق ، فهو محرّر الأرض والسماء بالكلمات ولا ذات له حسب ما يريد إشاعته بين الناس….

خانة ثانية: كاتب يعبث بالأبجديّة ويرجم القرّاء بما يشبه الكلمات المتقاطعة، مع الحرص على أن تكون نصوصه باردة جامدة خالية من كلّ روح، ومن كلّ ما يشي بآدميته أو يفضح أنّ بين ضلوعه قلبا وفي جمجمته عقلا.. وأنّ في طيّات جثّته روحا ..، صراحة أشكّ في ذلك تماما ، فما يمنّ به علينا بعض ” الآلات الكاتبة ” يؤكد موتهم الكتابي( على وزن موتهم السريري) والعياذ بالله

خانة ثالثة: كاتب مختصّ في السفر، ليس في متاهات النصّ بل في أحراش الجغرافيا، وإن كنت شخصيّا لا أحسده على التشرّد المريح من إقطاعيّة إلى أخرى، فلي الحقّ كلّ الحقّ في التساؤل عن مدى تغلغل شفرة الكتابة فيه، إذ لم يكتب حرفا واحدا عن العوالم التي توغّل فيها ولم يدوّن في مقالة يتيمة تحيّة واحدة للشعوب التي تعرّف عليها، لم يعد من سفراته الكثيرة سوى بالبضائع والهدايا وسقط المتاع، والأغرب من كلّ ما ذكرت أنّه مصرّ على التشبّث بصفة الكاتب..

خانة رابعة: كاتب آخر يمكن أن نلقّبه ب ” دليل سياحي ” فجميع ما حبّره يوحي بذلك، نصوصه عبارة عن زيارات لغويّة إلى خرائب قائمة في تراثنا الشفويّ والمكتوب، ولا علاقة لأخينا بما يحدث الآن وهنا، ولا حتّى مجرّد إيماءة إلى حياة الكائن وما يعتمل في دواخله ، كاتبنا الفذّ هذا، منبثق بغتة من ركام الحضارات القديمة ومنقطع عن العالم الحيّ تماما ..ولله في خلقه شؤون

شارك هذا الخبر