بنك الكلمات

صادق الطريحي

كان من الممكن أن يكون عنوان هذه المقالة هو (مصرف الكلمات) لولا إنني تذكرت أن البنك المركزي العراقي مازال يستخدم كلمة بنك، بوصفه المصدر الأول للسلطة المالية. ومسايرة لدعوات الاستثمار، المؤمل منها إنعاش الاقتصاد العراقي، تتبنى هذه المقالة الدعوة إلى إنشاء بنك استثماري دولي برأسمال لغوي عربي فقط ، الغرض منه إنعاش المؤسسة اللغوية العربية، لكيلا تدخل في مرحلة الانقراض الحضاري التي أشار إليها أدونيس مؤخرا. ويتبنى في الوقت نفسه دفع المستحقات المالية لمنظمة اليونسكو، لكي تبقى اللغة العربية احدى اللغات الرسمية للأمم المتحدة. متخلصين في الوقت نفسه من تهرب السلطة السياسية العربية التي تخطئ باستعمال لغتها من دفع هذه المستحقات.

ويلحظ على هذا البنك صعوبة تعرضه للإفلاس، لأنه لا يرتبط بمنطقة الجنيه الاسترليني الحضارية، أو لغة الدولار الثقافي.  إن الفكرة الأساس التي يقوم عليه البنك بسيطة للغاية، وهي أن الكلمات (( تمثل القاسم المشترك للتجارة والاتصال)) كما يرى شيخنا جون لوك. وأن النقود واللغة من أكثر النظم الاجتماعية أهمية وتأثيراً، فكما لكل شخص منا رصيد مالي وثروة منقولة حصل عليها بالحلال والحرام، يستطيع المحافظة عليها من السرقة، واستثمارها في أحد البنوك الإسلامية أو غير الإسلامية، كذلك نملك رصيداً لغوياً، وثروة من الكلمات، نستطيع بوساطتها كتابة الفرضيات، والقصيدة والقصة، والمقالة السياسية الهجائية التي هي الآن أشد تأثيراً من القصيدة الهجائية السابقة. ونستطيع أيضاً مضاهاة الكلمة بكلمة أخرى أو بفكرة جديدة ، وهذا يعني أن للكلمة قيمة متغيرة على الدوام (المجاز) بوصفها صيغة Formوليست مادةSubstance  كما يرى طيب الذكر دي سوسير.

وكما إن المصارف الربوية واللاربوية تسعى جاهدة لتنمية ثرواتها عن طريق الإيداع والاستثمار والإقراض والرهن … الخ ، يسعى هذا البنك إلى تنمية ثرواته اللغوية استناداً إلى نظرية لغوية اقتصادية تراعي القيمة الإبداعية للناتج المحلي ، ويسعى أيضا إلى محاربة الفقر في لغة الكتابة الحديثة كمحصلة نهائية لعمله، ومن الأمثلة التي ساقها المرحوم هادي العلوي ـ وهو أحد مؤسسي البنك ـ على ذلك الكلمات الدالة على الأرض ففي العربية : أرض، صعيد، قاع، ثرى، جدد، غبراء … لكن الكاتب العربي يستعمل كلمة أرض أكثر ما يستعمل، والشاعر العمودي يستعمل كلمة صعيد تضامننا مع القافية لا أكثر، مع أن المعاني مختلفة بين هذه الكلمات.

يستند البنك في نصفه اللغوي إلى نظرية باري ـ لورد عن الشعر المروي والتي طبقت بنجاح على شعر هوميروس، وخلاصتها: أن ثمة مخزون هائل من كلمات معينة، وعبارات محددة formulas  تزود الكاتب أو الشاعر بمدد من الأفكار والصور المفهومة ضمن جماعة ثقافية مستقرة زمكانياً، بحيث تكون أشد محافظة من لغة الحديث المحلية التي تعيش معها جنبا إلى جنب. وقد أدى ذلك إلى نشوء طائفة من صائغي العبارات الرنانة  phrase-mongers تكسب رزقها من هذه المجموعة بوصف الكلمات لها قيمة سلعية ، متجاوزة إشارة دي سوسير : أن للغة نظاماً من القيم الخالصة فحسب. وقد أدى ذلك طبعاً إلى ضمور فكرة الفن للفن.

أما في نصفه الاقتصادي فيستند إلى نظرية تقول: إن البلاد المجزأة لغوياً بشكل كبير هي بلاد فقيرة دائماً. وقد استندت هذه الفرضية إلى إحصائيات الدخل القومي للفرد في عدد من البلدان ذات الأعداد المتباينة من اللغات. ويعني هذا في لغة البنك أن الإنتاج الغزير لكاتب ما لا يدل دائما على ثرائه. واستناداً  إلى ما تقدم يعمل البنك ضمن آليات وإجراءات بسيطة هي الأخرى، فمن المزمع أن تقدم الدولة العراقية منحة مالية إلى  أعضاء الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عن طريق وزارتي المالية والثقافة. ويأمل البنك بصفته جهة مستثمرة في العراق أن تمرر هذه الصفقة ـ المنحة عن طريقه ، خدمة للمصلحة النقدية (العملة) والثقافية للبلد ، وسيفترض البنك أن الأعضاء جميعاً هم من عملاء البنك بوصفهم يتعاملون بالكلمات. من أجل ذلك سيقوم البنك بتقديم المنحة لمن لديه أعلى استثمار في اللغة، وبحجبها عن الذين أدوا إلى خسارات ثقافية، لأنهم أعادوا استعمال الكلمات نفسها دون أن تقدم قيمة جديدة للكلمة خلا قيمتها السلعية في مجتمع مستقر.

إن برنامجاً حاسوبياً بسيطاً يستطيع بعد تغذيته بأسماء السادة الأعضاء ونتاجاتهم أن يبين إن كان هناك ثمة لغة مولدة، أو مستعادة من الكلمات الخام في المعجم العربي بعد شحنها بمعنى آخر، أو كلمات تخلصت من الترجمة الحرفية للغات الأجنبية، أو كلمات استعملت الصيغ المختصرة للتعبير عن الفعل …الخ وسيبتعد البنك مؤقتاً عن تقييم العمل بكونه إبداعياً أم لا ريثما يكتمل نظامه الداخلي. أما الأرباح التي من المزمع أن يحققها البنك لينعش المستوى الاقتصادي للبلد فتأتي من الغرامات التي سيفرضها البنك على ( الأعضاء) الذين يملكون هوية الاتحاد دون أن يملكوا هوية اللغة. ومن الواضح أن موافقة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق على هذا المشروع والمساهمة فيه ، سيدر عليه أرباحاً جيدة ، ربما ستغنيه عن منحة وزارة الثقافة وشروطها المجحفة لإقامة مهرجان ما ، وستساعده أيضا في التخلص من عدد من طلبات الانتماء الكثيرة، أو الأعضاء المقبولين بالتهريب دون أن يضطر إلى فصلهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock