الأربعاء , 22 فبراير 2017 5:03 م
الرئيسية / الرئيسية / ماذا دار في حوار سالم بن سلطان ابن الإمام مع الشيخ الحسائي الذي لجأ إلى عُمان؟

ماذا دار في حوار سالم بن سلطان ابن الإمام مع الشيخ الحسائي الذي لجأ إلى عُمان؟

أثير – تاريخ عمان:

إعداد: نصر البوسعيدي

كان السيد سالم بن سلطان ابن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي كثير الإحسان للناس متواضعا مبتسما على الدوام شديدا على الظالم ومنصفا للمظلوم ومحبا للجميع وبالأخص العلماء والفقهاء وأهل النثر والنظم والمتصوفين، وقد شهد عليه الجميع بصلاحه وعبادته وقيامه لليل دوما في مسجد الوكيل الذي بناه السيد خلفان بن محمد البوسعيدي (الوكيل) سنة 1182هـ.

وقد جعل له مجموعة من أفضل رجال عصره أهلا للمشورة له كالسيد مهنا بن خلفان البوسعيدي والشيخ خميس بن سالم الهاشمي، والشيخ سيف بن سعيد المعولي، والقاضي أبو الأحول سالم بن محمد الدرمكي، وابنه الشيخ حميد بن سالم، والشيخ العالم ثنيان بن ناصر بن خلف الزاملي، والشيخ الفصيح حماد بن محمد بن سالم البسط وغيرهم من العلماء والفقهاء.

وكان مجلسه لا يخلو من العلماء والأدباء، وهو قارئ جيد ومطلع، ويحفظ الكثير من أشعار العرب الجاهلية ومطلع بشكل كبير على تاريخ وأخبار الملوك وسياساتهم وأزمانهم، وفي مجلسه يتسامرون في ذكر الأحكام الفقهية والفصاحة ومختلف العلوم وأحوال الأمم السابقة والمعاصرة لا سيما شعوب المنطقة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، وقد عرف بترديده دوما في مجلسه هذين البيتين:

قلت للفرقدين والليل ملقى * سود أثوابه على الآفاق
أبقيا ما بقيتما فسيرمى * بين جنبيكما بسهم الفراق

ولقد كان السيد سالم شجاعا لا يهاب العدو وقت النوازل، ويذكر ابن رزيق موقف السيد سالم في حربه مع أمير جلفار حسن بن رحمة الهولي الذي كان من اشد المكفرين وعدد جنوده في سفنه يوم المعركة أربعة آلاف وقيل خمسة آلاف في 24 سفينة، فخرج إليهم السيد سعيد بن سلطان وشقيقه السيد سالم وسائر آل سعيد القاطنين في مسقط على مركب واحد فوقع في البحر بينهم حرب شديدة ثم أسندتهم من مسقط 4 سفن وكان جملة من فيها من العسكر 1200 جندي ، وكان السيد سالم يقود المركب المسمى ( فيض عالم ) وركب السيد سعيد مركبه المسمى ( الغول ) وقاد المركب الثالث رجلا يدعى أحمد بن سيف بن محمد ، والمركب الرابع بقيادة محمد بن غلوم ، فتواجه الجيشان في البحر مرتين وكانت المعركة الثانية هي الأشد عنفا ، ويقول ابن رزيق : ” فلا تسمع الأذن من مراكبنا وسفائنهم إلا كأصوات الرعود وارتفاع الزعقات فوالله لكأني أنظر الآن إلى السيد سالم وهو واقف حذاء دولاب المركب يتبسم والقوم مقطبة حواجبها فأخذ السيد سالم مع تلك الشدة يتمثل مبتسما ببيت أبي الطيب ويقول:

فلله وقت ذوب الغش ناره * فلم يبق إلا صارم أو ضبارم

ثم انكشف القوم عنا فهزمناهم حتى بلغناهم سلامه فولوا ورجعنا إلى مسقط “.

الحوار الذي دار بين السيد سالم والشيخ الحسائي الذي لجأ إلى عمان:

يقول ابن رزيق وهو معاصر لحياة السيد سالم في ذكر ما دار بين السيد سالم والحسائي الشيخ محمد الزواوي الذي لجأ إلى عمان بعد موجات التكفير والاضطهاد الذي عانوا منه كثيرا في بلادهم:

“حضرت ذات يوم في ناديه الشريف، فرأيت معه جملة من المشايخ، فلما سلمت عليهم وردوا عليه السلام جلست معهم فأجروا حديثهم في مضمار التكفيريين بنجد الذين كفروا من خالف عقيدتهم من المسلمين واستحلوا بها سفك دماء من خالفهم من الموحدين وجوزوا استحلال أموال أهل القبلة وقتلهم وسبي ذراريهم، وهو (السيد سالم) كان صامتا لا يتكلم، ثم قال بعد ما طووا نشر الكلام عن التكفيريين:

(أيها المشايخ إن قلبي تاق لزيارة الشيخ العالم محمد الزواوي الحسائي الشافعي، فهو شيخ لفظته الغربة إلى بلادنا، ورحل عن داره فأهل دارنا وصار باقترابه جارنا، فينبغي لنا أن نزوره لما جاورنا كي لا يقول لما جاورنا متقول إنا جفوناه وما احتفلنا به فحقرناه).

ويكمل ابن رزيق قائلا وهو ينقل لنا ما حدث:

ثم نهض (السيد سالم) فنهض معه من المشايخ الحضور الشيخ خميس بن سالم الهاشمي، والشيخ سيف بن سعيد المعولي الودامي ، والشيخ ثنيان بن ناصر الزاملي والشيخ حماد بن محمد البسط وغيرهم.

فكان عدد من مضينا معه 12 رجلا، وكان الشيخ محمد الزواوي يومئذ ساكن بولجات من حلل بلدة مسقط في بيت صغير ولطيف.

فلما قرعنا عليه الباب خرج علينا تلميذ من تلامذته فقال السيد سالم: استأذن لنا الشيخ في دخولنا عليه.

فمضى ذلك التلميذ إليه ورجع علينا فقال يقول لكم الشيخ تفضلوا بالدخول.

فلما دخلنا ووطئنا فراش مجلسه وسلمنا عليه ابتدأه السيد سالم بالكلام فقال:

أيها الشيخ لقد أنست بك البلاد وصار في فمها ذكرك كالأوراد فمثلك لا يضام ولا يذاد عنه الاحترام، أخبرنا جزاك الله خيرا عما جرى عليكم من أصحاب عبدالعزيز التميمي النجدي، فعنه وعن صحبه تأتينا أخبار شتى في تشريكهم لمخالفي عقيدتهم من المسلمين واستحلال أموالهم وسبي ذراريهم وإن من خالف عقيدتهم يزعمون أنه كافر مشرك ولا يجديه قوله لا إله إلا الله وحده لا شريك له بشيء، فإن كانت هذه طريقتهم فطريقة نافع بن الأزرق وسلكهم عليها بعض شيوخهم، وإنني أظن ما انتقالكم من بلدتكم الحساء إلى مسقط إلا الجور بهضمكم منهم ، فأنتم عندنا في عزازة وأمان فأسكنوها مسقط باطمئنان واشتاروا أري (العسل) السرور بعد شري(الحنظل) الشرور”.

فقال الشيخ محمد الزواوي:

” إن شأن عبدالعزيز وشأن أتباعه لغريب غريب، فهو لما كثرت جنوده ورقت له بنوده أكثر من تقريب مدعين العلم بغير علم، فسماهم المطاوعة، فلما أغروه وغروه بالظلم وجوزوا له تشريك أهل القبلة المخالفين لعقيدة شيخهم وكتابه كشف الشبهات، فجوزوا قتل من خالفهم من المسلمين واستحلوا مالهم وسبي ذراريهم.

وما حداهم على تلك الحال إلا اكتساب مال باحتيال فذكروا ما قال لهم الطاغون ونسوا قوله تعالى (ولا تحسبن الله غافلا عما يفعل الظالمون)، ولقد صاروا أكثر أهل الحساء، وقد قتلوا جملة من الفقهاء الذين خالفوهم في التشريك والتمليك لزعمهم أن من خالفهم من المسلمين الموحدين فهو مشرك لا يجزيه بشيء قوله لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا أن يكفر ويشرك كل من خالف عقيدتهم.

ومن عجائب أمرهم أيها السيد جوابهم لمن خالف عقيدتهم إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ما دليلك على ذلك؟ فيعكسون قول المستقيم بطلب الدليل منه، إن الله هو الذي خلقه ورزقه لا سواه وانه هو الفرد\ الصمد والموجود الواجب الوجود فأي دليل لو عرفوا الدليل على من أقر أن الله الأحد الصمد الذي لا شريك له في الوحدانية ولا ند له في الفردانية، فهم بهذا الشأن قد أنزلوا لو عقلوا منزلة من يبغي على الله الدليل انه هو الذي لا شريك له فناظروا بشكهم في الله بعقيدتهم السفسطائية، (وما يعقلها إلا العاقلون).

ولما مالوا إلى تلك الطريقة وملنا عنهم سعت بنا أوباشهم وجورتهم إلى عبدالعزيز وتوترت كتبهم إليه وهي على حده أن بالحساء رجالا خالفوا عقيدتك وطريقتك المثلى فهم يزعمون أنك ومن تبعك طغاة مبتدعون مخالفون لشريعة الرب منهمكون في الآثام.

فلما كثرت كتبهم إليه ضدنا كتب إلى عامله الذي سلطه على أهل الحساء أن أشخص لي فلان وفلانا وعددهم 12 رجلا، فامتثلنا أمره خوفا أن يفرط علينا ويطغى.

وكان بيننا ولد حدث السن عارف بالفقه وبتفسير الكتاب والحديث النبوي وله يد في علم المنطق والمناظرات وسائر الكتب المفيدة، فما زلنا ندرسه في الطريق بألا يكون جوابه وجوابنا لم يباحثنا منهم جزاك الله خيرا أوضح لنا الهدى فإنا إليه راغبون.
فلما وصلنا إلى رياض النجدية رأينا عبدالعزيز ومعه عدد من مطاوعته وجملة من جلاوزته، فصاحت علينا الصبيان قبل أن نسلم عليه الله أكبر (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) أعز الله المسلمين وأذل المشركين!

فما اكترثنا بهم ونزلنا بمسجد يقال له مسجد المطاوعة فلما أودعنا فيه رحلنا وما حملنا أتانا عبدالعزيز ومعه المطاوعة فسلموا علينا فجعل المطوع يقرأ علينا كتاب كشف الشبهات ويقول يا أهل الحسا لقد بلغنا انكم تزعمون فيكم رجالا جهابذة فقهاء لا يقدر أحد على مباحثتهم في العلوم فباحثونا إن كنتم صادقين أو سلموا لنا الأمر إن كنتم في الدين صادقين.

فالتفت إليه الولد الحدث السن الذي هو واحد من جملتنا فقال:
طالما أكثرت بنا الخطاب وتلوت علينا ما في أوراق هذا الكتاب فأنا أسألك قبل أن يفحمك هؤلاء المشايخ الجهابذة عن دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أهو بعد رسول الله وبعد الخلفاء الراشدين انفصل فوصلته أنت ومن معك ؟! أم هو دين متصل لا منفصل؟!

فسكت ذلك المطوع ولم يجد جوابا ، فقال عبدالعزيز فو الله الذي لا إله إلا هو لقد غلبك الشاب وفلجك عن الجواب فإنك لو قلت منفصل فأنت كذاب إذ لا يصل الدين المنفصل إلا نبي مرسل ولا نبي مرسل بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن قلت له متصل فأنت مبتدع فإن من أراد زيادة دين على الدين المتصل فهو مبتدع متفيء بظلال الضلال فدين الله واحد ليس جملة أديان ومثلك لا يباحث العلماء الأعلام بالكلم الظنية والأوهام لقد دققت بزجاجتك صخرة صماء ومشيت بحيل مشية الأعمى فالله دركم يا علماء الحسا فإنكم ناؤون عن الشرك أقيموا معنا بعزازة واحتشام وإن اردتم الرجوع فارجعوا إلى وطنكم بسلام.

فقلنا له على حده إن الرجوع إلى وطنا أثلج لصدورنا وأقر لعيوننا ثم انصرفنا عنهم من يومنا.

فلما وصلنا إلى الحسا رأينا مطاوعتهم التكفيرين قد اشتد ظلمهم وجورهم على من أطاعهم من الحسا فضلا عن من عصاهم في دعوتهم الشيطانية، فرحلنا عنهم بحر جنان وما ثلجت قلوبنا إلا بعدما نهلنا أمان مسقط عمان.

فقال السيد سالم لله درك فأنت جهبذة فقهية نحرير نبيه، فهل لك من وطر نقضيه أو شأن غير شائع فنمضيه؟

فقال الشيخ محمد الزواوي: لا.

فودعناه وخرجنا عنه وهو كما نثني عليه علينا يثني.

وفاة السيد سالم بن سلطان ابن الإمام:

مات السيد سالم متأثرا بداء الفالج في مسقط ليلة الخميس من شهر رجب سنة 1236هـ، ودفن في موضع بناه والده السيد سلطان في الجانب الغربي من وادي الأوسط من بلدة مسقط وترك من الأولاد الذكور السيد محمد وحمد وسرحان.

المرجع: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين 1783- 1874م ، حميد بن رزيق بن بخيت النخلي العماني ، تحقيق أ.د محمد حبيب صالح ، د. محمود بن مبارك السليمي ، ج2 الطبعة السادسة 2016م وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان

شاهد أيضاً

تعويضات أهل المسفاة جاهزة.. وتسليم المنازل قريبا

مسقط-أثير انتهت وزارة الإسكان مؤخرا من مشروع بناء مساكن التعويضات لأهالي المسفاة بولاية بوشر الواقعة …

اترك رداً