الأحد , 22 يناير 2017 2:06 م
الرئيسية / الرئيسية / بين الأوطان والقوميات أيهما أولى؟

بين الأوطان والقوميات أيهما أولى؟

أثير- المكرم د. إسماعيل الأغبري

عرف العالم الإسلامي بصفة عامة ولم يزل يعرف مزيدا من الصيحات والتجارب وكأن هذا العالم يرواح مكانه في حقل التجارب.

دعوات تنطلق من أصحاب ايدلوجيات مختلفة فتارة يعلو شعار الإسلام هو الحل ? وتارة يعلو تيار ما يوصف بالإسلام السياسي وتارة ترتفع أصوات دعاة القومية؟

وهناك فريق آخر يرى تغليب الجانب الوطني على غيره من تلك الشعارات لأن الاجتماع على الوطن أقرب من الاجتماع على غيره ولأن كل دعوة من الدعوات الأخرى لها ما يناقضها وينقضها.

الدعوة إلى القومية أو تفضيل جنس على آخر ليس جديدا فالدولة الأموية مثلا قدمت الجنس العربي على غيره من شعوب وأمم الأرض التي اعتنقت الإسلام وتم إقصاء من لم يكن على القومية العربية ولم يتم الالتفات إلى إسلام بقية القوميات غير العربية.

بل عمدت الدولة الأموية إلى زرع الشقاق بين أتباع القومية العربية أنفسهم فأذكت الصراع بين اليمانية والنزارية وراعت ذلك في التعيينات وتوزيع ما يسمى اليوم بالحقائب الوزارية.

إن هذه المراعاة لم تكن عبثية ولكن رغبة في ديمومة الصراع وإشغال الأطراف بنفسها دون التنبه لنظام الحكم أو طريقة إدارة الدولة وهو من باب:

خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري

ولا شك أن العالم الإسلامي ضم قوميات كثيرة وهي أيضا لا تقل أصالة ونسبا وحضارة عن العرب كالقومية الفارسية والأمازيغية والكردية والتركية وغيرها من القوميات وكلها قدمت خدمات جليلة للإسلام في ميادين السياسة والعلم والحديث والفقه واللغة والطب.

أذاب الإسلام هذه القوميات مع حق الاحتفاظ بالأصل لكنه نفى عنها جواز التفاخر فيما بينها ودعا جميعها إلى جعل الإسلام في مقدمة الأولويات بل هو الأول والتالي.

نظر الإسلام إلى القوميات لمجرد التعارف وليس للتفاخر ثم التعارك وجعل معيار الفضل هو ميدان العمل وإخلاص العمل والتفاني في البناء وتأسيس الحضارة وإعمار الأرض.

مضى زمن على وأد الإسلام صراع القوميات إلا أن التحزب القومي أخذ مرة أخرى يبرز شيئا فشيئا حتى في منظومة المجتمع الذي اعتنق الإسلام.

وإذا اختصرنا القول في مسألة القوميات فإنه يمكن أن تقفز إلى منتصف القرن العشرين المنصرم خاصة بالنسبة للعرب إذ أشعل لهيب القومية ذلكم السياسي الكبير جمال عبد الناصر الزعيم المصري المعروف عند الكبار والصغار وحتى عند الطبقة غير المتعلمة من الناس.

واضح الصراع بين القوميتين العربية والتركية مثلا إذ رأى العرب بسط العثمانيين سلطتهم وبحدة شديدة هو امتهان لهم كما نشطت جمعية الاتحاد والترقي في تعميق القومية التركية.

عموما أسهمت القوميات في تنافس غير شريف فيما بينها في العالم الإسلامي بصفة عامة وداخل الوطن الواحد بصفة خاصة إذ قلما توجد دولة عربية خالصة لقومية واحدة.

اعتمدت هذه القوميات على إقصاء غيرها حتى في الوطن الواحد مما أثار حفائظ الناس وتعريض الدولة لتقطيع نسيجها الاجتماعي وخلخلتها سياسيا وأمنيا.

أدى صراع القوميات والتعصب لها إلى استغاثة القوميات الأخرى في الوطن الواحد بالعدو الذي يتربص بتلك البلدان شرا وهذا على سبيل الانتقام والرغبة في الانتصار للنفس والتحالف في سبيل ذلك ولو مع الشيطان الرجيم.

البعض يرى الانتصار لكل من وافقك في قوميتك بحق أو بباطل وسواء أكان ظالما أو مظلوما باغيا أو مبغيا عليه معتديا أو معتدى عليه متعقلا أو مغامرا سياسيا محنكا أو مقامرا.

البعض الآخر يرى أنه ليس من الواقعية الاجتماع على أسس قومية إذ قد تتقارب الدول على أسس قومية ولكن النار تسري في جسد الدولة الواحدة ذات القوميات المختلفة.

الاجتماع على جوامع الوطن أولى من الاجتماع على غير ذلك فالمساواة بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات والوظائف والمعاملات هو كفيل بتعاضد أبناء الدولة الواحدة.

ولاء الجماهير للوطن — أي وطن — بغض النظر عن اختلاف قومياتهم كفيل بالعيش المشترك وتقوية النسيج الاجتماعي.

بالنسبة لعموم الدول يمكن التعاون بين التجمعات والمجالس والاتحادات ولا يشترط في ذلك ذوبان الدول في الكل ولو كانت اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا هي جامع نظري للجميع لأن لكل دولة ووطن سياساتها المستقلة وخصائصها التي تميزها عن غيرها.

أثبتت الأحداث أن اتباع القومية الواحدة يأكلون بعضهم بعضا ويعتدون على بعضهم البعض.

دولتان عربيتان مثلا تعمقتا في القومية لكنهما خصمان عنيدان يكيدان لبعضهما بعضا بل أكلت القومية العربية بعضها بعضا في حربي الخليج الأولى والثانية ناهيك أن من يوصف بزعيم القومية العربية عبد الناصر كان هناك من نفس اتباع قوميته من يحاول نسفه أو منافسته.

الخلاصة إن القومية عامل هدم للوطن الواحد فضلا عن العالم الإسلامي لكن الولاء للوطن مع التعاون مع الإقليم والمحيط على أسس احترام الخصوصية هو الحافظ للوطن والأمة معا.

لنتصور كيف سيكون وضع شمال إفريقيا لو تم تغليب القوميات على الوطن الجامع لتلك القوميات؟

لنتصور كيف يكون الوضع وكيف كان في بلاد الرافدين إذا تم تغليب قومية على أخرى؟

الاحتفاظ بالخصوصية للوطن لا يعني التشرذم فمثلا فرنسا ذات غيرة كبيرة على ثقافتها وذات حساسية كبيرة على تراثها رغم عضويتها في الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

الحل هو الولاء للوطن فهو الأب والأم والأخ والعم والخال وشعارات القوميات ثبت فشلها وجنايتها على الأوطان والعيش المشترك مع بقية الأمم والشعوب.

ليس كمظلة الوطن للناس جامعة وليس أما رؤوفا رحيما كالدولة بمختلف سكانها حاضنة.

ولى زمن القوميات والعنتريات وآن أوان الوطن الجامع المانع.

شاهد أيضاً

تطوير وتأهيل متنزه موقع أثري في بهلاء يعود إلى 3000 قبل الميلاد

العمانية-أثير أسند مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية مناقصة مشروع تطوير وتأهيل متنزه حصن سلّوت …

اترك رداً