الأربعاء , 22 فبراير 2017 5:07 م
الرئيسية / أبجد / لغة صافية تدين زمن الوحل ” وحيدا … أقطع هذا الدغل “

لغة صافية تدين زمن الوحل ” وحيدا … أقطع هذا الدغل “

محمد الهادي الجزيري

 

 

 

في زمن الكتّاب ” بالثقة ” والمبدعين بالوعد ، في زمن الطواويس والبالونات والمتطفّلين على الأدب من أصحاب ” البيضة الواحدة ” مثلا، والقاطنين في مقاهي النميمة والوهم والادّعاء ، يطرق عزلتنا الاختياريّة مبدع يتنفّس الكتابة ، يحيا بها ولها ، بعيدا عن الفوضى العارمة التي يتخبّط فيها المشهد الأدبيّ العربيّ،إنّه عبد المجيد يوسف الكائن التونسيّ صاحب التجربة الأدبيّة المتميّزة والمتفرّعة في مجالات عدّة، منها كتابة القصة والرواية والترجمة وتحقيق المخطوطات إضافة إلى النقد والدراسات اللغويّة …

 

” وحيدا … أقطع هذا الدغل ” ، عنوان مجموعته القصصية الصادرة مؤخّرا عن دار

 

” الثقافيّة للطباعة والنشر والتوزيع ” ، وبصدورها بعد سبعة عشر كتابا ، يتأكّد للقرّاء والمتابعين للساحة الأدبيّة العربيّة، أنّ عبد المجيد يوسف من طينة المبدعين الذين آمنوا بأنّ الكتابة مشروع حياة وليست ترفا لغويّا أو هواية يمارسها البعض حشوا للفراغ مثلا، أو رغبة منهم في الانحشار في قائمة الأدباء وفي اكتساب صفة الأديب بشهادة الزوجة والأبناء وبعض الجيران والندامى…، نحن في حضرة رجل كرّس حياته للجهد الإبداعي والكدّ المعرفيّ ، وبه إصرار كبير على تحقيق كينونته في جملة كتاباته وبحوثه وترجماته..

 

تنفتح المجموعة الجديدة على مقدّمة تفضّلت به الأديبة عائشة الخضرواي شبيل ومن ضمن ما ورد فيها: ” نستطيع القول إنّ كاتبنا ليس عبدا لتراث الماضي ولا منبتّا عنه ..إنّما هو رجل يدرك أنّ الكتابة تموضعٌ في الحاضر بتجذّر في الأصول “، علما أنّ أغلب نصوص المجموعة كُتبتْ في منتصف الثمانينات وقد عاد إليها الكاتب بالتنقيح والتشذيب بعد معاشرة طويلة وهذا ما أكسبها نضجا وتوهّجا وعمقا، فلا شيء أهمّ من الصبر في العمليّة الإبداعيّة ومن القسوة الجميلة التي يمارسها الكاتب على نصوصه، ومن لا يؤمن بالمحو لا يمكنه تقديم الإضافة للمدوّنة الأدبيّة التي طفحت بالرداءة والحشو والجعجعة…

 

أوّل ما يلاحظه القارئ وهو يتوغّل في هذا الدغل السرديّ، حرص عبد المجيد يوسف على العودة إلى ينابيع اللغة الصافية والاحتفاء بعديد المفردات المهجورة دون مبرّر ، يحتفي بها ليس استعراضا للعضلات اللغويّة بل انتصارا للغة العربيّة التي تعاني من إهمال نسبة كبيرة من ألفاظها في زمن طغيان الكتابة الصحفيّة على المتون الأدبية التي تدّعي الإبداع والخلق والإضافة، كما تتميّزالمجموعة بدقّة الوصف للشخوص والفضاءات المختلفة التي يدور فيها زمن القصّ ، كما في لوحة المتسوّل الذي يتخلّص من أظافره…..

 

” اجتمع في كفّه كدس من زوائده، ميتة يابسة، امتدّت اليد إلى الأمام في حركة مباغتة كالطعن بالسكّين ،امتدّ مداها إلى قلب المستنقع، وانقلبت الكفّ في حركة نصف دائريّة فأفرغ فيه الحمولة، دفع بجذعه إلى الأمام قليلا حتّى جعل وجهه على المستنقع، طفت الأظفار، أما لحاء الشجر فتشرّب الماء فرسب وتفكّك ”

 

يتنقّل بنا الكاتب خلال مجموعته الجديدة من البيئة الريفيّة وطقوسها الخاصة في الاحتفاء بالحياة إلى زحمة المدن وضجيجها ، في لغة منتقاة بعناية وفي أساليب متنوّعة ومتناغمة مع كلّ قصة حسب مقتضيات السرد وفضاء الحكاية ، ويمكن القول أنّ الكاتب أفلح في مسعاه ونجح في إيصال رسائله الفكريّة والايدولوجية دون السقوط في الخطاب المباشر ، بل أجزم أنّه انتصر للشرط الجماليّ  قبل كلّ هاجس آخر، وهذا هو الفرق بين نصّ إبداعيّ وخطبة جوفاء خالية من كلّ حسّ فنيّ……

 

إدانات عديدة تضجّ بها مجموعة ” وحيدا …أقطع هذا الدغل “، إدانة للظلم الطبقي ،إدانة لقسوة المجتمع على بعض أفراده وتسبّبه في تشرّدهم وانطفائهم، إدانة لترك الأستاذ المربيّ في الدرك الأسفل من الخصاصة وفي قبضة الحاجة، إدانة لعيّنة من مصّاصي دماء الآخرين، ممّن لا شغل لهم غير قتل الوقت وكلّ شيء جميل، إضافة إلى كسلهم وجشعهم وتهافتهم على جثّة الوطن …، لكن عبد المجيد يوسف لم يسقط في فخّ المباشرة الفجّة فهو يعي تماما وظيفته وصفته ، ويفرّق جيّدا بين فنّ الكتابة الصعب وسهولة الصراخ بتعلّة النضال ومقاومة البشاعة والفساد ……

شاهد أيضاً

شعرية الإدهاش بالمجاز :قراءة في ( عمره الماء ) لعارف الساعدي

أ.د. رحمن غركَان ناقد أكاديميّ   نقد الشعر إنسان عاقل ، أما الشعر نفسه ؛ …

اترك رداً