الخميس , 27 يوليو 2017 2:29 ص
الرئيسية / أبجد / سانترو : حجرةٌ لآخر الليل

سانترو : حجرةٌ لآخر الليل

حسن مجاد
( سانترو
سانترو
بيتُ الشّاعر  كلمةْ
والكِلْمةُ قلبُ المكلوم
فبأيِّ قصائد تمنحُ هذا العالم صُور – الشرية ، ثم تغادر كالمهزوم)
-1-
ديسمبر 2012
كان الشّاعر الخصيبيّ القادم من واحات النخيل ، يجلسُ بعد رحلة التعب في ( كَيتار كوفي شوب ) بالمنصور ، أما أنا الذّي جئتُ من قرى القمح ، أهبطُ إلى بغداد مع فجرها ، وأظلُّ أذرع شارعاً وحيداً ؛ كي لا أتيه وسط أزقة العدم أو تتخاطفني الوجوه فتتعقب قتلي !
لا أعرفُ ، من أين تأتيني تلك الكوابيس وأنا أتجول في هذه العاصمة العباسيّة ؛ مستذكراً قصة المجنون همنغواي (القتلة) ؛ كأنَّ رجلاً يجلسُ في غرفته، ويجعل بابَ شقته موارباً بانتظار القاتل الذّي لا يجيء !
اتصّل بصديقي ؛ كي يخبرني بطريقٍ إلى المقهى ، حتّى أصل إليه ، ترشدني آلة كيتار منسدلة على واجهة المقهى العلوية ، وأضحكُ على هذا القرويّ القابع تحت معطفي؛ إذ ساعة كاملة وهو يطوف بالمكان و لا يرى الكيتار المعلق، ذاك الذّي يقعُ أعلى البناية .
أعبرُ الشّارع العام مهرولاً ، ومهزوماً من شرطي المرور ومن باصات تحملُ الأشباح الى وظائفهم، ثم أخطو سلالم ضيقة ، وأدلفُ الفناء المضيء بالكريستال، أطوي بيدي الستار الذّي على بابها ، وأحدقُّ في الكيتارات المثبتة مثل  موسيقى حجرية على حائط المقهى أو النازلات من سقفها الثانويّ ، إلى أن بدا وجهه الحنطيّ، وشعره الرماديّ مثل غمامة بصرية مكحلة بالزعفران، تصافحنا كمثل طيور البراري، ثم تبادلنا تحايا اللقاءات على عجل ، وطلبنا من النادل شاياً مطبوخاً ، يقول له وهو ينظفُ كاميرته بيديه ، شاياً مطبوخاً ، ثم نجري بالأحاديث :
هل نمتَ جيدا؟ يسألني الخصيبيّ، ويضيفُ قائلاً : كان نهاراً موحشاً والطريق من البصرة أكثر تعباً !
– اه ، ولكني حين تحاصرني الأشياء لا أنام أبداً ، أبقى مفتوح العينين، أكون اليقظان الهاجع ، أقاوم التعب بالجري حول ممرات البيت…
– في الليل تفعل هذا ؟ يقولها وهو يبتسمُ ، مسنداً ظهره على كتف الكنبة حتّى يبدو قمشتها المارونية تضيء جاكيته النيليّ الفاقع .
– نعم يحدث هذا في الليل …
أراه وقد نحّا كاميرته جانباً ، يأخذ كوب الشّاي ، ويحملقُ بالهواء مثّل بحّار بصريّ .
-لا أعتقدُ أنَّ الجو باردٌ هناك ، نحن في أوائل ديسمبر ، والشّارقة صيف ساخن وشتاء حار !
– لا أعرف ، بصراحة ، أوّل زيارة لي لها ، وبكلِّ الأحوال ، وأنت تعرفُ ، فإنَّ المسافر يحملُ معه كل شيء ، حتّى كيس دخان التبغ.
تمضي بنا الأحاديث من (تاريخ الأسى) إلى ( قبل خراب البصرة ) من مآسي القصيدة إلى نوادر التاريخ ، بانتظار مجيء الشّاعر البغداديّ أحمد عبد الحسين.
أفكّر في رأسي، وأنا أحدّقُ بوجهيهما ، كلاهما بشعرٍ رماديّ ، تعلوهما لطخة سوريالية من جحيم الجنة !
-2-
نصلُ المطار َ ، مطار بغداد ، محاطين بالكلاب البوليسية ، يفتشون عن الأرانب التّي في ( ملوخية العبيط ) ، نبتعدُ قليلاً عن العواء المرّ ، وننشغل بالأحاديث التي تبعدنا عن الشّارع الاسفلتي سينتمراً واحداً.
شركة فلاي دبي تنقلنا الآن من مطار بغداد الى دبي ، تحملنا ليلاً.
تقول المضيفة : اربطوا الأحزمةَ ، ولا أعرفُ أيضاً ، لم ،كلما ركبتُ طائرة أتذكرُ دبابةً ، حين يقول العريفُ : اربط حزامك ، وتقول الحكمة : ( اربط حزامك للموت )  ،أو أقرأُ ،ببلاهةٍ، شريطاً أخبارياً عن مقتل البغداديين بالحزام الناسف !
كان ذلك أواخر عام 2012 ، مشاركين في أعمال مهرجان الشّعر العربيّ في الخليج، كانت العاصفة قد أدبرت ، وخلّفت وراءها أشجاراً بلا جذور .
نصلُ ( الشارجة ) في وسط الليل ، ونرى وجوه الأصدقاء ، الشّاعر قاسم سعودي ، القاص محسن سليمان ، القاص إسلام أبو شكير ، وهم يستقبلون الفرح .
أهبطُ إلى الأرض، أتلمس حشائش حديقة المطار بأقدامي  ، ويجيء اتصال أستاذي الدكتور صالح هويدي ونحن في الباص …
– أهلاً حبيبي حسن ، حمداً لله على سلامتكم، سأكون في انتظارك  في فندق ( سانترو )
– أهلاً أستاذي، الان في السّيارة ومعنا الأخوة
– كل الهلا
– الى اللقاء
ياهٍ ، أراه بعد تواصل السنوات وجهاً لوجه ، كنتُ أقرأُ له في ( صحيفة  الأديب البغدادية ) وهو في الشّارقة ، وقديماً كنتُ أقرأ له كتابه في ( نجيب محفوظ ) وكتابه الآخر حول مشكلات ( الترميز في القصة العراقيّة ) .
أشهقُ حين أرى الأناقة كاملةً ، يجللها مهابة الحضور  وسط بهو فندقٍ مضاء بالقناديل الزيتية .
أعطاني نسخةً من كتابه (الوعي الشقيّ : قراءة في البنية العميقة لشعر سامي مهدي ) ، آخذه مصحوباً بالدّهشة ، أدخلُ حجرتي ، أغيّر الهواء بأن أفتحَ شباكها المطل على الجامعة الأميركية من بعيد ، ثم أضعُ الكتابَ على طاولة .
أعودُ إلى حجرة آخر الليل في هوتيل سانترو، ألقي بجثتي على سرير بشراشف بيضاء ووسادة هوائية، بعد أن قضيتُ ساعات من الأحاديث مع الأصدقاء الجدد ، وأفتح الكتاب حتّى تعود إليّ قصيدة من ( الزّوال ) :
صاعدٌ أنا
أم نازلٌ لستُ أدري
فما بين حدين من ظلمةٍ وفراغ
يعقلني مصعدٌ لا قرار له
بينما يقفُ الآخرون
هنا وهناك
على ريبةٍ في انتظاري )
أقرأُ القصيدة بكل ريبتها الدونخوتية ، وشكوكيتها الفلوبيرية إن جاز لي الوصف سردياً ؛ لأنَّ الإبهام الشعريّ فيها إبهام قصصيّ ، وأنّ ما محي منها قدر ما هو ظاهر فيها ، ولا أعرفُ ، فقد تتباين الأمزجة حدّ أن تصل الى العنف ، ولا أريد أن أفكّر نقديّاً وأنا منغمسٌ بالقراءة ، ولكن ( مصعد سيتي سانترو ) كلما أدخله يشعرني بهذا الفراغ الموحش ، ولعلّ الممرات التي تضاء بمصابيح خافتة ما أن تمس أقدامك لها وتنطفيء حين تعبرها سبب لذلك، ولكنني الى الآن أذكرُ كيف كان المصعد والقصيدة وأنا  نتدحرج ببالون من هواء فارغ .
-3-
في اليوم الثّاني ، كان الشّعراء قد انتظموا وتجمعوا حول بعضهم ، كانت (الجزائر) ضيف شرفٍ في تلك الدورة ، أذكر الشيخ الشّاعر مسعود حديبي ، والشّاعر عزوز بن عقيل ، والدكتور طارق ثابت، وأذكرُ أيضاً آخرين اغترفتُ من نهرهم ماء العطش .
ولكن ، ثمة رجلٌ يقفُ الآن وبوابة الفندق تنفتح وتنغلقُ، يبدو الولد الأسمرُ شاهقاً ، وهو يدخلُ ضاحكاً معه أصدقاؤه ، تعبثُ أصابعه بالموبايل ، ثم يتخذ مكاناً مع الآخرين ، بدا طويلاً مثل صارية ، وتبدو ذراعه واضحة وهو يجلسُ على ( قنفة زيتون ) ، معتمراً ( الكمة ) ومرتيداً  واحدة من (كنادير) بيضاء ، نتبادل بعض ابتسامة هادئة ، ونلقي بعض المراحب .
– هلا عيني
– اهلا وسهلاً
– من وين
– من العراق
– والله !
– لساتني جاي من مسقط
يلتفتُ الى الذي جنبه ويتحدثُ عن شاعرٍ عراقيّ بمحبة وزهو
– أتعرفه
– طبعاً ، قرأتُ له
– تشرفنا
– كل الشرف أخي العزيز .
أقومُ أدخنُ خارج الفندق ، وأرى الشيخ المعتمر طاقية حمراء ، كآخر التروتسكيين العزل ، القاص العراقيّ جمعة اللامي وهو يتمشى في حديقة الفندق.
أشعل سيجارةً واحدة ، وأقترب منه منادياً له :
– من قتل حكمت الشامي يا عمّ !
يلتفتُ ثم ينقضي النهار !
…..
-4-
في اليوم الثاني ليلاً ، وعلى باحة فندق سانترو يكون الشّعراء قد انتظموا في قصائد ، والمكان الليلي على حافة مسبح الذّي يتهادى بمائه الأزرق، وبالحجر المصفوف حوله بهدوء.
كنتُ ، والحقُّ يقالُ ، أستمعُ إليهم بفرح القصائد ، ولكنه كان هادئاً مثل القصيدة ، عميقاً كفكرتها ، تمتزجُ قصيدته بلكنة عمانية من بحة صوته :
(أنا ذلك الولد المستجير بقلبه
خريطة منفى
وساحة معركة أبدا
لم أكن غير أضمومة من عناوين بيضاء
تسبيحة من بريد المدى
أمينٌ على حصتي في الغناء
وممتلئ بالندى )
يا ربُّ ، ما ذا يفعل هذا الولد ؟
ينتهي الحفلُ ليلاً ، ونتناولُ فنجان القهوة جانباً ، وأحدّق في وقفته ، وهو يزن القصيدة القصيدة ، كنتُ بصحبة الدكتور هويدي والفنان ابو العباس والشّاعر جميل مفرح والدكتور اليمانيّ إبراهيم أبو طالب ، نعلّق على القصائد بانطباع ممزوج بالبهجة .
أذهبُ الى الداخل ، أريد أن أشرب ماءً، أجده أمامي فنتعانق كالقصائد .
في يوم آخر أخرج إلى مكتبةٍ تدلني على منشورات كلمة ، اختطفُ رواية هيرتا موللر : ( ما الانسان سوى دراج كبير في هذه الدنيا ). أقضي ليالي الشّارقة مع المثل الرومانيّ الشعبيّ ، مفكراً بالعجز والاستسلام لكلّ ما هو هشّ في هذه الدنيا !
-4-
ديسمبر 2016
تدور الساعات السائلة مثل وجه بيكاسو، وتمرُّ السنوات على قطار يصعدُ إلى حافات المستحيل ، أجلسُ في غرفة صديقي الدكتور سالم العريميّ ،ولكن هذه المرة في مسقط ، يحدثني عن التجربة النقدية والشّعرية وأسألُه وأنا أنصتُ لصوته وصوت ( غلاّية الماء ) عن صور …
يقومُ  ليحمل فنجان القهوة ، ويبعثرُ كلماته :
– أنا منها، من صور ، مسافة ساعتين بالقريب
– كم تبعدُ ؟
– ليس كثيراً
– والشّرية ؟
يجلسُ قُدّامي مبتسماً
– الشرية !
– اي والله الشرية ؟
– اسال عبد الله العريمي عنها .
أعودُ الى غرفتي ليلاً في فندق الأمواج بالخوير ، وأجدُ طرداً ، يُكتبُ عليه  : (إلى الغرفة 711)  . أفتحه ، وإذ بديوان الشّاعر المرحوم ( ناصر بن بلال ) (حورية البحر ) !
إلى هذه اللحظة الخاطفة لا أعرفُ :
– كيف أصل الشرية ؟
– من وضع ديوان حورية البحر في غرفتي
– من قادني ببهو الخطى إلى لجة  العاصفة ؟
-5-
فبراير 2017
أنا وحيدٌ الآن في كَيتار كوفي شوب ، السّاعة الآن 11 قبل الظهر ، شربتُ فنجان قهوة ، أقرأُ عدداً من صحيفة الصباح وبين النهرين ، مستمتعاً بأناقة المطبوع ، معجباً بتصميم الصديق الدكتور لبيد المطلبيّ ،ألقيتها على الطاولة ، نزلتُ الدرج ، أعبُّ الهواء، تمشيتُ قليلاً، أدسُّ وجهي بين الجموع وأنا أظفرُ خطواتي بحذرٍ ، لا أحسُّ بشيء ، أنا اليقظان الهاجعُ أفكّر بقاتلي مثل أبطال همنغواي ، وأسخر من الضحية .

شاهد أيضاً

محمد الهادي الجزيري

اجتماعٌ عائليٌ خارقٌ للعادة

محمد الهادي الجزيري اجتمعتُ البارحة بزوجتي وكلّ أطفالي في اجتماع خارق للعادة، تطرّقنا خلاله إلى أخطار كثيرة …

اترك رداً