محمد الهادي الجزيري يكتب: فوق رصيف بارد “الحائز على جائزة معرض تونس الدولي للكتاب”

مقال نقدي منشور عام 2017 يحتفي بالمجموعة الشعرية «فوق رصيف بارد» لرضا العبيدي، ويقرأ نصوصًا تستحضر الباب والظل والعزلة والنسيان والصمت بلغة هادئة.

محمد الهادي الجزيري يكتب: فوق رصيف بارد “الحائز على جائزة معرض تونس الدولي للكتاب”
محمد الهادي الجزيري يكتب: فوق رصيف بارد “الحائز على جائزة معرض تونس الدولي للكتاب”

محمد الهادي الجزيري

 

ثمّة شاعر كتبت عن مجموعته الأولى ” الوردة ملء الليل ” وقد تنبّهت لموهبته ورهافة نفسه فقد فاز مؤخّرا بجائزة معرض تونس للكتاب عن مجموعته الممهورة ب

 

” فوق رصيف بارد ” والمنشورة عن رسلان للطباعة والنشر ، وبهذه المناسبة أقدّم لكم هذا العمل المتميّز الذي تفوّق على مجموعة كبيرة من الشعراء الذين دخلوا هذه المنافسة ….

 

يفتتح رضا العبيدي هذه المجموعة بنصّ ” الباب ” ، وهو محاولة لأنسنة الأشياء المحيطة بالشاعر، فهو لا يرى نفسه إلاّ صدى لأكثر من وسيلة من حولنا ، فما الإنسان بالنسبة له إلاّ

 

ما يقوله الشيء ، كان بابا أو بحرا أو مطرا، فلنستمع إليه كيف يقول نفسه وهو ظاهريا يحدّثنا عن باب …

 

 

” الباب المشدود إلى الحائط

 

ينفتح

 

وينغلق

 

دون أن يقدر على المغادرة

 

ولو لفسحة قصيرة

 

محكوم عليه ألاّ يجتاز العتبة

 

الباب الذي كان أغصانا في شجرة

 

( كم من طيور حطّت فوق أفنانها

 

كم من أعشاش

 

أفاق في صباحات على الزقزقات الأولى لفراخها

 

وكم من ريح راقصته )

 

شدّ وثاقه إلى حائط الإسمنت

 

وحتّى لا تُرى دموعه

 

ـ لدى كلّ انفتاح أو انغلاق ـ

 

طُليَ بالأزرق”.

 

 

شهادات كثيرة كتبت عن هذا الشاعر الصامت البعيد عن ضوضاء الساحة، ولعلّ إقامته في فرنسا أنقذته من تبذير وقته في القيل والقال ، ومن ضمن ما نشر في ظهر الغلاف نقرأ شهادة للشاعر المغربي مبارك وساط:

 

” رضا العبيدي شاعر تونسيّ متميّز، كلّما قرأت له قصيدة، يزداد توقي إلى قراءة المزيد ممّا تجود به قريحته ، وحين أتصفّح في قراءة أوّلية مجموعة فوق رصيف بارد، لا يمكن أن يستوقفني في الغنى الشعريّ الباذخ لقصيدة مثل ” مجرّد ظلّ ” …ينتهي كلام الشاعر الناقد لنمرّ إلى النصّ الشعريّ الذي أشار إليه ”

 

مجرّد ظلّ ..

 

” في بلاد النسيان عاشرت الظلال

 

حتّى صرت فردا من عائلتها :

 

أتكلّم لغة الصمت

 

أتغذّى بالضوء

 

أتمدّد وأنحسر

 

وأسهر عملاقا يتراقص على الجدران

 

وكلّما أنيرت شموع ليل

 

في بيت منعزل ”

 

فالشاعر يتطرّق إلى النسيان والعزلة الذين يعاني منهما بشكل هادئ ومتماسك ، ممّا يبيّن لنا ثقته المطلقة بذاته ومقدرته على الفعل والإبداع …، ولكم من مبدع سقط في فخّ المباشرة والجعجعة ..ظنّا منه يكتب شعرا جميلا ..لكنّه لم يضف إلى المدوّنة الشعرية شيئا جديدا…

 

مجموعة كبيرة من القصائد جمعها الشاعر في ” فوق رصيف بارد ” ، والأكيد أنّه كتبها خلال العشرية الفارطة أيّ منذ 2006 وصدور مجموعته الأولى المبشّرة به ” الوردة ..ملء الليل ” عن دار النشر سنابل بالقاهرة ، ومن الجور أن أعطيها حقّها في بعض السطور ، وما هي محاولة للاحتفاء به والتعريف به ، كي يستمرّ في هذا العطاء ويواصل هذه المثابرة ويمنحنا مزيدا من الإبداع ..في ساحة طغت عليه الفقاقيع والبالونات …

 

ختاما ..أترككم مع تحيّة شعريّة لرضا العبيدي ..:

 

” في الهدأة

 

أنا طفل لا تلدينه

 

يلعب بسرّة العالم

 

ويدغدغ بطنه الملساء إلى أن ينفجر ضحكا

 

أطفال الحيّ من حوله يهزؤون من بلاهته

 

يرمونه بأحجار

 

يراوغها بخفّة سنجاب

 

وفي العشيّة حالما ينصرفون

 

يلتقطها حجرا حجرا

 

يبني بها بيت الوهم

 

الذي تسيّرين وحدك شؤونه

 

بخبرة ربّة بيت قديم “.

شارك هذا الخبر