د. هادي حسن حمودي يكتب: السلطنة من الخطاب السياسي إلى تجلياته التطبيقية

د. هادي حسن حمودي – لندن

مقدمة:

لعل من الأمور التي تستوجب شكر ظروف الحياة أنها علمتني ألا أضيع ساعات العمر المعدودة في متابعة وسائل الصخب والشعارات البراقة، وأن أستعيض عن ذلك بمتابعة وسائل الإعلام التي تقارب الواقع بموضوعية أو بأكبر قدر ممكن من الموضوعية.

ونظرا لإقامتي الطويلة نوعا ما في خارج العالم العربي فقد اكتفيت من الفضائيات العربية بمتابعة مستمرة لاثنتين، ومن الصحف العربية بأقل القليل، ويقف في رأس ما يلفت الاهتمام والعناية والمتابعة وسائل الإعلام العمانية، لما ذكرت من صفات أطلبها  في ما أتابعه وأعنَى به.

ولقد تابعت ما وصلت إليه من الصحف العمانية لأتابع ما ينشر حول التوجيهات السلطانية في اجتماع مجلس الوزراء في 23/5/2017م. ولقد بدا لي أن أكتب عن أهم الركائز التي ركزتها تلك التوجيهات السامية في هذه الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمر بها العالم عامة ودول الخليج خاصة.

التوجيهات السلطانية:

وأرى أنّ هذه التوجيهات السامية تمثل خلاصة للأهداف التي تسعى عُمان لتحقيقها في الحاضر والمستقبل، في مواجهة تحديات اقتصادية صعبة، وظروف إقليمية أقل ما يمكن أن توصف به أنها ظروف غير مريحة، ولها ارتدادات سلبية على مجمل التطور في المنطقة، إذ المعلوم أن التنمية والتطور والتقدم لا تتحقق إلا في ظلال الأمن والسلام، على ما آمنت به عمان، وأعلنه خطابها السياسي، وعلى وجه الخصوص في سنة 1994م.

وهذا ما دفعني للتأمل الواعي بما جاء في توجيهات جلالته المشار إليها.

حيث نتبين من تحليل التوجيهات السلطانية المذكورة:

1- اعتبار النماء والازدهار في عُمان فضلا من الله حققه العمانيون لأنفسهم. والنماء والازدهار يستمران ما دام العمل والنزاهة والإخلاص أسس الممارسة اليومية للمواطنين.

2- الإشادة بمعدلات النمو المحلي برغم الظروف الإقليمية المعقدة وانخفاض أسعار النفط.

3- الإشادة بما حققته مسيرة التنمية الشاملة في البلاد من معدلات نمو جيدة تراعي البعدين الاقتصادي والاجتماعي وذلك في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة مع مؤسسات الدولة حفاظا على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

4- وإن هذه المعدلات التنموية ما كان لها أن تتحقق لولا الجهود المبذولة لدعم سياسات التنويع الاقتصادي التي حققت تقدمًا مناسبًا خلال هذه الفترة.

5- ولولا تعاون المواطنين في إنجاح برامج التنمية وخططها برغم المتغيرات التي يشهدها عالم اليوم

6- التأكيد على دور الشباب في بناء حاضر عُمان ومستقبلها. لذلك يجب استمرار العمل على تشجيعهم ودعم قدراتهم والارتقاء بمستوى تأهيلهم لتمكينهم من الاستفادة من الفرص المتاحة لهم.

7- ونظرا لما للسياحة (النوعية) من دور في التنمية الاقتصادية، فقد لفت جلالته الانتباه إلى ضورة الاهتمام بقطاع السياحة.

8- وذلك أسوة بتطوير باقي القطاعات ذات المردود الاقتصادي باعتبارها قطاعات استثمارية تحقق إضافة ملموسة لمصادر الدخل.

9- ودعا الخطاب السامي إلى بذل جهود إضافية لإنجاح مشروعات (تنفيذ) والشراكة مع القطاع الخاص في إقامة المزيد من المشاريع الانتاجية الجديدة التي تعزز التنمية المستدامة.

10- وأكد جلالته على استمرار دور سلطنة عمان في العمل على استتباب الأمن والسلام ، وتقريب وجهات النظر بين القوى المختلفة، محليا وعالميا، وتعزيز التفاهم للتعاطي مع القضايا المطروحة بما يكفل تحقيق الأمن والاستقرار للدول والشعوب.

11- وجاء مسك الختام في الدعوة لمزيد من العناية في الجوانب التي تهم الوطن والمواطن، ودعوة مؤسسات الدولة كافة بمواصلة الجهود تحقيقا للأهداف المرجوة.

استخلاص:

ومن المؤكد أن هذه المحاور هي الشغل الشاغل لعُمان منذ بدء نهضتها المعاصرة، وتطوراتها وانتقالاتها المتعددة والمتنوعة. ذلك أنه اذا كان الإنسان هو غاية النّهضة ووسيلتها من إجل إسعاده وتعميق شعوره بإنسانيته وانتمائه الحضاري، على ما تبنّته عُمان المعاصرة (انظر: خطب وكلمات 23، 35، 44.. وغيرها كثير)، فإن الدّولة هي ميدان تطبيق تلك الغاية في جميع أرجاء العالم المعاصر. والعلاقة التلازمية بين النّهضة والدّولة بمكوناتها السّياسيّة والاجتماعية والاقتصادية تجسّد لنا عمق التحول الذي أصاب البنية المجتمعية الحديثة، حيث صار للمواطنين، أو على الأقل، القوى الحيّة في المجتمع، دور فاعل ومؤثر في مسار نهضة الدّولة بمجتمعها، بكل ما فيه من قيم وآمال.

فالنّهضة العُمانيّة، على ما تثبته واقعات الأيام منذ 23/7/1970، تظهر كحدث متحرك ومتطوّر باستمرار، ولذلك لم تعد راغبة، في سنة 2017، في أن تستمد أهميتها من درجة الوعي بها والتسليم بضرورتها فحسب، وإنّما أيضا من شموليتها، ومن ذلك الطابع الخاص الذي يُضفيه العلم والعمل عليها لتبرير أسبابها ومفاعيلها.

وإلاّ فكيف نفسر قبولنا لمنطق النّهضة الذي يدعو إلى الالتزام بالعمل الجادّ، بل وبالتضحية من أجل الوطن والمجتمع حين تظهر ضرورة ذلك، في مقابل رفضنا لمنطق آخر مريح وسهل ولكنه غوغائي هابط يريد الحظوة لدى الناس بمخاطبة الغرائر الدنيا وتسطيح العقل الجمعي ذلك التسطيح الذي يُعدّ جريمة في عُرف النّهضة وسعيها نحو التكامل الحضاري؟

إنّ قبول عُمان بتحديات صعوبات النّهضة يعنِي أنّ عليها الإقرار باستحالة بناء الدّولة الحديثة خارج إطار الأهداف النّهضوية التي تسعى لها، والمتمثلة بتطبيق القوانين التي أصبحت من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات العصرية.

من هنا نرى، بمتابعة نصوص الخطاب السياسي عموما منذ سنة 1970م، بأن إدارة الدّولة الحديثة الناهضة تعنِي التقاء جميع نشاطات المجتمع داخليا وخارجيا. ولا تكتسب الدّولة هذا الالتقاء في موضوعها وذاتيتها إلاّ من نجاح العلاقة التداخلية الموشِّجة بين أطراف العمل النّهضوي التي تحددها مسيرة النّهضة، وهي متمثلة، عادة، بقيادة عليا، وإدارة، ومواطنين، في تركيبة متعاونة منسجمة.

وهذا لا يعنِي الاقتسار غير الطبيعي على خلق تلك العلاقة المتوشّجة والموشّجة بين أطراف العمل النّهضوي، بمقدار ما تعنِي التعاون وإطاعة القوانين والأنظمة المعبرة عن واقع المجتمع واحتياجاته بحسب قراءة واعية لذلك الواقع وتلك الاحتياجات، مادّيّة كانت أم نفسية وروحية، بصيغة جامعة لها جميعا على وفق الإمكانيات المتاحة حاليا والمأمولة مستقبليا.

وبهذه القراءة الواعية أصبحت نصوص النطق السامي والمراسيم السّلطانيّة في عُمان، بمضامينها كافّة، أساس النّهضة التي لا يستحقّ نتائجَها إلا المؤهلون للقيام بمهماتهم وواجباتهم الاجتماعية والوطنِية.

ومن البديهي أنه إذا كان عمومُ الناس هم من يستفيد، أولا وأخيرا، من تلك الإنجازات، فعليهم تفهّمها والتوشّج معها. وإذا كان المسؤولون وسائر الموظفين هم من ينفذ تلك القرارات فعليهم، قبل أي شيء آخر، تفهّمها، وتطبيقها بروح إنسانية شفّافة من أجل خدمة سائر المواطنين، بكل جد ونشاط ومحبّة.

ويجب أن يكون معلوما أنّ المشاعر النّفسية الطيبة والمنبعثة عن الإخلاص والرغبة الصادقة في تطبيق التوجيهات السّلطانيّة وسائر القوانين بروح الألفة والتعاون، تضفي على مفهوم المسؤولية مزيدا من الاحترام والتوقير، مِمّا يمنح النصوص القانونية والإدارية لُطفاً يسوغّها لدى المواطنين ويشجعهم على التفاعل معها. خاصّة إذا لاحظنا أنّ عُمان تريد من المسؤولين جميعا أنْ يكونوا في خدمة شعبهم الذي يمنحهم محبته واحترامه، بمقدار ما يمنحونه من محبتهم واحترامهم ومراعاة التّطبيق العادل للقوانين والأنظمة جميعا، بما فيها القرارات الإدارية والوزارية.

ولقد أصبح واضحا، في الأزمنة الحديثة خاصة، إنّ المرء الذي يعيش في أفياء العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وفي ظلال التضامن الاجتماعي سيعمل باخلاص وبكل ما لديه من كفاءة، كما انّ علاقته بمجتمعه سترتقي إلى مستوى الأخوة التي ستأخذه إلى الصلاح والإصلاح: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)( سورة الحجرات 10) (فاتّقوا اللّه وأصلحوا ذات بَيْنِكم)( سورة الأنفال 1). فالمؤمنون إخوة مهما تنوعت اجتهاداتهم ورؤاهم في إطار النزاهة ومصلحة البلاد العليا. وبسيادة هذه النّظرة وهذا المفهوم يكون الفرد متساويا مع غيره في ظلال العدالة الاجتماعية الجديرة بصفتها.

وقد رأينا أنّ القائد العُماني يؤكد دائما على أنّ التّنمية الاجتماعية والتّنمية الاقتصادية وجهان لعملة واحدة. وهو يعتبر النمو الاقتصادي عملية تقدم مستمر على أساس أنّ وسائل الإنتاج في النّظام الاجتماعي – الاقتصادي القائم على الملكية الفردية لا تستخدم في السعي نحو الربح لتجميع رأسمال متزايد مطلوب لذاته فقط بل لفائدة المجتمع المؤلف من المنتجين والمستهلكين على حد سواء، فهم فيه شركاء نتيجة العمل ونتيجة الانتماء للنّهضة.

وتتداخل مع هذه الجوانب ضرورة السعي من أجل استتباب الأمن الدّاخلي والسلام الخارجي باعتبارهما إطارين كبيرين يضمنان نجاح الدّولة في تحقيق عصريتها وقِيَمها الدينيّة معاً.

وقد لاحظنا اهتمام عُمان بالمسألة الاقتصادية كركن أساس لتحديث الدولة ونهضتها. فكما انّ النّهضة العُمانيّة تمنح “النمو” بُعدا عالميا، بمعاني التأثير والتأثر، فانها تمنح النمو الاقتصادي بُعدا اجتماعيا للصلة المعقودة بين هذه المفاهيم الثلاثة: النمو، والاقتصاد، والمجتمع. لذلك فإنّها أخذت بالتّنمية البشريّة للبرهنة على التغيرات في الحياة الاجتماعية المنبثقة من مبادرة المجتمع ذاته، من داخله، وهذا ما جاء أيضا في التوجيهات السلطانية المذكورة أعلاه. لأنها أرادت من التنمية البشرية أن تتحوّل إلى تغيُّر تلقائي يُفترض فيه أن يعمق في المجتمع حالة الاتزان.

كما أرادت عُمان من التنمية البشريّة أن تحقّق بُعدا آخر، هو الدافع النّفسي الذي يدفع المواطن الى البذل والعطاء. فيمثل هذا الدافع النّفسي، مع التشجيع الرسمي المتواصل، والتعاون بين الحكومة والشّعب الى أقصى الدرجات الممكنة، الشرط الأساس للنمو، والعامل الحاسم في انجاح النّهضة ووصولها الى غاياتها.

وتعود نجاعة هذا النهج إلى أنّ مفهوم النمو العُماني، والذي ركز عليه الخطاب السياسي العماني بشكل متواصل كما في التوجيهات السلطانية المذكورة، جمع أساسين متماسكين، هما المادّة متمثلة في الاقتصاد، والروح المتمثلة في القيم والمبادرة الفردية الإيثارية، والتلاؤم الاجتماعي بما يضمه من أخلاق وترابط وتعاون وتكافل.

خاتمة:

وهكذا تعود الأمور كلّها إلى لحظات الانطلاق الأولى:

* (إنّ الحُكومةَ والشَّعْبَ كالجَسَدِ الواحدِ، إذا لم يَقُمْ عُضْوٌ منه بواجبهِ اخْتِلّتْ بقيّةُ الأجزاءِ في ذلك الجَسَد)( في 27/7/1970، انظر خطب وكلمات، ص 11).

مقالات ذات صلة

اترك رداً