الثلاثاء , 22 أغسطس 2017 4:42 م
الرئيسية / أبجد / “بذلة الغوص والفراشة” الرواية التي كتبت برمش العين اليسرى
محمد الهادي الجزيري

“بذلة الغوص والفراشة” الرواية التي كتبت برمش العين اليسرى

محمد الهادي الجزيري

جونُ دومينيك بوبي، أكثر المصابين بداء الوجود إرادة وتشثبّثا بالحياة: هذا الكاتب و الصحفيّ الفرنسيّ الذّي أصيب بمتلازمة المنحبس locked in syndrome وهي حالة يكون فيها المريض برغم وعيه التام مشلولا من كلّ أعضاء الجسم عدا عضلات العين، والذّي كتبَ هذه الرواية الصادرة عن دار مسكيلياني للنشر عن المترجم شوقي برنوصي بكلّ ما في الإنسانيّ من حبّ و حنين و وهم ورغبة في البقاء.

منذ بداية الرواية تقتحمُ ذهن القارئ عدّة أسئلة: كيف يمكنكَ أن تكون موجودا في العالم دون أن تتواصل معه؟

كيف يمكنك أن ترى أطفالك دون أن تتمكّن من ضمّهم إليك؟

أيّ إحساس هذا الذّي يقتحمك حين تكون عاجزا عن الحركة في غرفة مظلمة لا يوجد أيّ دليل فيها على وجود حياة غير الضوء الأحمر المنبعث من التلفاز؟

بذلة غوص تحتلّك، تفصلك عن جسدكَ وتمنعُ الفراشة التّي فيك من التحليق أبعد من خيالك وأنتَ سجين في جسدك لا تجدُ أيّ قناعة غير أنّ وجود الآخر ضروريّ وحتميّ لكي نبقى على قيد الحياة.

منذ أن تنتهي من قراءة الرواية تستنتجُ أنّ حياة الإنسان دون الآخرين المحيطين به لا قيمة لها، لا ذكريات ولا أحلام ولا تواصل، لا صراع ولا رغبة ولا جنون.

أيّ حياة هذه التّي كان سيعيشها جون دونيميك بوبي لولا أخصّائيّة النطق التّي قامت بتغيير ترتيب الأبجديّة الفرنسيّة فقط لكي لا ينعزل الكاتب عن أوراقه البيضاء وأحبّته: أصبح حرف الS الأوّل، يليه حرف الE ثمّ ال A .

بهذا الترتيب يصبحُ من السهل على الكاتب أن يشير إلى الحرف الأول من الكلمة، لتتشكّل الجملُ وينبثق عنها الفقرات التّي أثثّت الرواية التّي نغوص فيها في أعماق جسد جون دونيميك بوبي وألمه اللاّمتناهي قبل أن نتحرّر، معهُ، بحثا عن مفاتيح لبذلات غوص تقيّدنا جميعا ومساحة شاسعة نطلق فيها العنان لفراشاتنا المسجونة في أعماق وجودنا الهشّ.

” هل هناك في هذا الفضاء مفاتيح لأفتح بذلة غوصي؟ خطّ مترو دون محطّة وصول؟ عملة قويّة بما يكفي لأشتري حرّيتي من جديد ؟ يحب أن أبحث في مكان آخر. سأذهب إليه.. ”

تنتهي الرواية هكذا، لنذهب جميعا إلى مكان آخر، إمّا على كرسيّ متحرّك أو بالخيال الذّي لا يُقمع ولا يذبلُ مهما خان الجسد وتعب، ومهما عجزنا عن التعبير عن حبّنا للحياة والأوفياء المحيطين. هذه الرواية من الأعمال الأدبية القليلة الواجب القراءة عنها قبل الغوص في أغوارها، أنصحُ بها كلّ الغاوين وكلّ الباحثين عن خطّ ميترو دون محطّة وصول.

نختتم هذه الإطلالة السريعة على هذه الرواية بفقرة من كلمة الأستاذ رمزي بن رحومة التي مهرها بها هذا الكتاب:

” درسان عميقان من رواية لم تُكلّف نفسها عناء الوعظ والإرشاد ، فكلّ ما فعله الكاتب أن أصرّ على الحياة، ولمثل تلك المهمّة يكفي أنف ورئة للتنفّس، وبلعوم لتلقّي الغذاء، ورمش عين يُسرى لباقي الأدوار، نعم برمش العين ذاك أبقى جون دومينيك بوبي على صلته بالعالم كاملة ..”

شاهد أيضاً

لكم كاميرا ولي حواسّي

محمد الهادي الجزيري أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم ..تنتمون إلى الإنسانية فمرحى …. أنا مهووس بالسفر …

اترك رداً