السبت , 24 يونيو 2017 4:12 ص
الرئيسية / الرئيسية / د. إسماعيل الأغبري يكتب: العمانيون والإسلام وخدمتهم لكتاب الله

د. إسماعيل الأغبري يكتب: العمانيون والإسلام وخدمتهم لكتاب الله

أثير- المكرم د. إسماعيل الأغبري

تفاعل العُمانيون منذ أن تنفس الصبح بإشراقة شمس الإسلام وبزوغ الفجر بطلعته البهية وسطوع شمسه بخيوط ذهبية تنتشر في الأرجاء شيئا فشيئا، وما إن تسرب خبر مبعث نبي في بلاد الحجاز دعوته تناقض ما عليه الجاهليون من عبادة أصنام صنعوها بأيديهم ويسلمون لها أفئدتهم وعقولهم، دعوة تناقض ما عليه الجاهليون من عبادة 360 صنما منصوبة حول الكعبة اللات والعزى وهبل، وقيادات كبيرة وزعامات 360 صنما، فدين الإسلام يدعو إلى عبادة إله واحد فرد صمد ويدعو إلى عقيدة خالية من الغلو بعيدة عن التشويه، نبي يدعو إلى قيم إنسانية كاحترام حقوق الإنسان أيًا كان لونه أو عرقه أو دينه أو وطنه أو قوميته.

دين الإسلام يدعو إلى احترام حق الحياة فلا تزهق روح ولا يفصل رأس عن جسد دون موجب شرعي يثبت عند ولي الأمر ويقيمه ولي الأمر دون غيره من أفراد الناس أو الشعب أو الأمة.

دين الإسلام يمنع السلب والنهب ويحرم العدوان على الأفراد أو الدول ويمنع أي شكل من أشكال العدوان أو مضايقة الإنسان في مصادر رزقه أو مصادرة حياته بفتوى قتله أو التعرض لحياته بالقتل المقسط كفرض حصار أو ما أشبهه، مما يعرض الإنسان إلى الجوع أو العطش أو يحوله من حالة النعيم إلى حالة المسغبة ومن حالة السعة إلى حالة الضيق والشدة.

نبي بُعِث في الحجاز يبدأ بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إذا التقى بأحد، وهو بذلك يعطي عهدا بعدم العدوان، وأنه لمن قال له السلام عليكم حق العيش بالسلام، نبي أوجب رد السلام على من قبل له السلام عليكم بالقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

هذه الشمس التي انبعثت شيئا فشيئا هي شمس دافئة لا محرقة سمع بها أهل عمان رغم أن عمان بعيدة عن الحجاز وذات ملك مستقل غير خاضعة إلا لأهلها وكيان سياسي قائم قبل قيام غيرها في جزيرة العرب.

عمان الواقعة في أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية الصعبة المنال بلغتها تلك الدعوة قبل الدعوة الرسمية من قبل نبي السلام إلى السلطة الرسمية في عمان عبد وجيفر ملكي عمان، وبدأ العمانيون يعتنقون دين الإسلام طوعا لا كرها، رغبة لا رهبة، إذ بدأ ما يمكن تسميته بالإسلام الشعبي قبل إسلام السلطة أي قبل إسلام ملكي عمان قبل إسلام السلطة.

لم تقف السلطة عائقا في تسرب الإسلام إلى عمان رغم أنها لم تصلها بعد دعوة رسمية من نبي الإسلام. وقد أسلم مازن بن غضوبة وصالح بن المتوكل وكعب بن برشة ويبرح بن أسد وأسد بن يبرح وعبد الله بن وهب الراسبي وغيرهم كثير فهناك أكثر من عشرين صحابيا من أهل عمان وليس فقط مازن بن عضوية.

نشر هذا الجمع العماني من الصحابة الإسلام في عمان ولم تعترض السلطة على ذلك، أي إن عدم استبداد السلطة في عمان وعدم إكراه أحد على معتقد من المعتقدات وعدم قيام السلطة بعدوان على أسس ثقافية هو سمة عمانية متوازنة حتى الساعة.

ثم جاء دور إعلان الإسلام الرسمي أي إسلام السلطة فور تلقي ملكي عمان عبد وجيفر رسالة النبي، فتشاورا فأجمعا أمرهما على إعلان إسلامهما ومن الطبيعي إذا أسلمت السلطة سيسلم بقية الشعب فالناس على دين ملوكهم.

واضح أن عمان عند إشراقة شمس الإسلام كانت كيانا سياسيا قائما ودولة مستقلة ذات سيادة إذ اختصها النبي بخطاب من بين أربع حضارات خاطبها فبعث برسائل إلى هرقل عظيم الروم وإلى كسرى عظيم فارس وإلى عظيم القبط بمصر وإلى ملكي عمان عبد وجيفر. وواضح من اختصاص ملكي عمان في الجزيرة العربية بخطاب أسبقية عمان في النشأة والعراقة في الوجود، ووواضح النفس الزكية للعمانيين من ولاة أمر وشعب فلم يتلكأ أهل عمان ساسة وأمة من قبول الخير العميم، وواضح أيضا تميز عمان عن غيرها من حيث تعمق الشورى في المجتمع العماني إذ فور وصول كتاب النبي تم تداول خبر الرسالة والتشاور بين أفراد السلطة العمانية من جهة وبين السلطة والشعب من جهة أخرى فكان الإجماع على الدخول في الإسلام. وواضح تميز أهل عمان أيضا من حيث إن إدارة الدولة من ملكي عمان وهذا غير معهود في أنظمة الدول فمن الملاحظ عدم وجود شقاق بين عبد وجيفر بل يد واحدة.

إن إسلام أهل عمان طوعي لا رغبة في نوال ولا طمعا في عطاء، ولا إسلام المؤلفة قلوبهم ولا إسلام الطلقاء ومن أسلم طوعا لا كرها لن يتخلى عن دينه إذ عمان لم تفتح فتحا ولا غزوا ولا جهادا ولكن طوعا، وليس لأحد أن يشكك في إسلام أهل عمان، ولذلك أيضا ثبتوا على الدين حين انقلب كثير من الناس على أعقابهم، وقد نفى العلامة نور الدين السالمي نفيا قاطعا في تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان وقوع أي ردة في دبا من عمان، وعدّ نسبة ذلك إلى أهل عمان من باب التشويه أو ما يسمى اليوم بالحرب الخفية أو الحرب الباردة الناعمة أو الحرب النفسية إذ كيف يتخلى قوم عن إسلام اختاروه طوعا لا كرها.

بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أرسل العمانيون وفدهم للخليفة أبي بكر الصديق لتحقيق أمور منها تعزية الخليفة في وفاة هادي الأمة داعية السلام ومرشد الأنام ومنها تهنئة أبي بكر بالخلافة وأنهم باقون على العهد وافون بالذمة غير ناكثين ومن هنا فلم يزل أهل عمان إذا عاهدوا لم يخونوا ولم ينقضوا اتفاقيات ولم يخرجوا عن الأعراف إذا ما خالفهم أحد وهو يتجلى حتى الساعة في الساسة والشعب.

خطب أبوبكر الصديق في وفد أهل عمان فقال ( معاشر أهل عمان أسلمتم طوعا لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم وكثرة عددكم وعدتكم ). وكتعبير عملي على نياتهم على المبدأ والدين شاركوا في جيش الصديق لتسكين الثورات وإخماد التمرد المتمثل في الخروج على الخليفة خروجا سياسيا مع عدم وجود مبرر للخروج عليه وكذلك في دفع حركة الردة التي تهدد عقيدة الأمة وتسبب صدع الدولة.

العُمانيون وخدمة الكتاب العزيز

من الطبيعي من أمة وساسة آمنوا بقيم الإسلام وأخلاقه ومثله وفهموا القرآن فهمًا خاليًا من كل تشويه وغلو وتفريط أن يعتنوا بالكتاب العزيز حفظا وتلاوة بل وتطبيقا وفهما صحيحا يؤمن بحق الحياة للجميع ويرى وجوب الإحسان مع الجميع ويتمسك بحرمة الدماء والأموال والأنفس.

من الطبيعي من ساسة وشعب أن يعتنوا بالكتاب العزيز وهم رأوا ما فيه من تحريم البغي على أحد بغيا حسيا كالنهي عن القتل إلا لدفع عدوان والنهي عن العدوان بكافة أشكاله ولو كان بتضييق الرزق على الإنسان بحصار أو غيره مما يؤدي إلى الموت البطيء أو يتسبب في انتشار الأوبئة أو أي حصار يحوّل الغني فقيرا، إذ استلهموا ذلك من نهي النبي عن حبس الهرة، حيث ورد أن امرأة دخلت النار بسبب حبسها هرة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

القرآن دستور خالد وهو النجم الذي به يُهتدى، اعتنى به أهل عمان. ومن تابع الفيلم الذي تم عرضه والكتيب الذي تم توزيعه خلال تدشين مصحف مسقط الإلكتروني الذي تم صباح يوم الاثنين 18 رمضان 1438 للهجرة والذي أنجزته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعد عقد من الزمن وجهود مضنية وعمل دؤوب يدرك كيف أن أهل عمان اعتنوا بالمصحف ومنهم عبد الله بن بشير الصحاري.

لقد اعتنى العمانيون بنسخ المصحف وزخرفة خطوطه ونقش كلماته، وإن تدشين مصحف مسقط الإلكتروني يعد سبقا وإنجازا رقميا إلكترونيا كبيرا تحققه الوزارة وصار عملا متاحا ليس إقليميا بل عالميا.

إن هذا العمل خدمة لكتاب الله ليس هو الأول وليس هو الفصل الأخير، فقد سبق للوزارة أن طبعت في عام 2006 مصحف عمان، ثم في عام 2008 المصحف العماني، وهذان المصحفان أغنيا مساجد عمان وجوامعها من المصاحف بل وتم التوزيع خارج عمان خدمة للكتاب العزيز.

إن مصحف مسقط الإلكتروني يقدم خدمة أخرى عالمية، إنها خدمة اللغة العربية ونشرها والتعريف بها فهي وعاء الوحيين وحاوية القرآن والسنة ولها خطوط مميزة وأساليب تعبير كثيرة ومصحف مسقط كاشف لها. ولا عجب في ذلك فالعمانيون أرباب فصاحة وأهل لغة، فهم أحفاد الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب معجم العين والعروض، وهم أحفاد ابن دريد صاحب الجمهرة، وهم أحفاد المبرد، وهم أحفاد الخطيب الفذ أبي حمزة الشاري.

لم تغفل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن التنسيق مع عدد من حواضر العالم الإسلامي وغيره، فكان الأزهر الشريف من ضمن هذه المراكز العلمية التي لها بصماتها بالمراجعة الدقيقة، ومن هنا حضر الأزهريون ليشاهدوا منجز عمان الجديد، منجز وزارة الأوقاف والشؤون الدينية للعالم الإسلامي ولعشاق المعرفة.

شاهد أيضاً

جلالة السلطان يصدر عفوا ساميا عن مجموعة من نزلاء السجن

مسقط-أثير تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم القائد الأعلى – حفظه الله …

اترك رداً