د.رجب العويسي يكتب: كيف يصنع التعليم أخلاق الأزمات؟

الدكتور رجب بن علي العويسي– كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

تعيش الأزمات الحاصلة في عالم اليوم، حالة استثنائية  ترتبط بتزايد القلق والخوف وكثرة الشائعات والتأويلات والتفسيرات، وما يحصل فيها من تجاذبات واحداث ، وتتطلب عملا منهجيا يضعها في قالب  الوعي والتأني،  وميزان العدالة والتوازن،  والهدوء  وانتظار البحث عن ارضيات للاستقرار وإعادة صياغة آلية العمل،  ودفع الناس نحو التثبت وتوطين النفس، خاصة في ظل ما يسودها من غوغائية وتجاذبات، وسلوك إعلامي يتجاوز كل القيم والأخلاقيات والاتفاقات الدولية، يستهدف تأجيج الرأي العام، وإثارة للمذهبيات والأحقاد والكراهية، والهوس القائم على التراشق الفكري واللفظي بين أطراف القضية، ليبتعد بها عن موجهات العمل المفترضة، ويحوّلها إلى مواجهات تستهدف زعزعة الثقة، مما يتيح  مساحات أكبر لبروز  الكتابات المسيئة ولغة الترويج  للسلوك السلبي، وافتعال الوقائع والشائعات التي تتجه نحو تصيد الأخطاء، والبحث عن الثغرات والتصعيد الاعلامي غير المبرر عبر سجالات وتراشقات  تفتقر للموضوعية والمصداقية ، وتبتعد عن كل معاني الانسانية والاخوة، وتتداخل فيها الأوراق  لتعكس مزيجا من الهشاشة الفكرية والتذبذب المعرفي الذي يؤدي إلى ضياع  مسارات  الحوار والتواصل ، ويزيد من حدة الخلاف،  وحالة العشوائية وعدم الاتزان التي تبرز  سلوك الآخر في القضية أو الأزمة، أو ما يظهر من سلوك التضيق على الناس، فيتعامل مع الحالة بمزيد من  القلق والاثارة وزرع الخوف في النفوس، فأوجد هذا الواقع حالة  خطيرة من الاغتراب الفكري والأخلاقي والوجداني لدى الأجيال، وهم يتابعون صوت الاعلام وصورته  ولغة الخطاب والعبارات أو العناوين المخجلة والمقالات المسيئة في مختلف وسائله وأدواته حول الأزمات وتعامله معه، وهي تتنكر  لكل الفضائل الإنسانية وتسقط الأقنعة حول زيف دعوى الحريات، إنها في حقيقة الأمر مؤشر لضعف  البناء الفكري المؤسس لإدارة المواجهة أو لابتكار البدائل أو للوقوف عند المبادئ والثبات عند أخلاقيات الأزمة.

من هنا كان على التعليم أن يصنع سلوكا مغايرا لهذه التناقضات، فيعيد صياغة خطابه ومناهجه واساليبه وأدواته في تعامل المواطن مع الأزمات، ويبرز مهنية أكبر ترقى بأخلاقيات الأزمة كمحددات للتعامل معها، ومنطلق لعلاجها، ومدخل لقراءتها في صورة راقية، تعتمد على حكمة التصرف، والثقة في الذات وتعدد الخيارات، وفتح مسارات التكامل والبحث عن حلول متوازنة، وتأكيد الاحترافية في الرسالة الاعلامية الموجهة بما مبادئ  الحق والعدل، والشفافية والموضوعية والصدق، ومنهجية  التخفيف من حدة الأزمة، وتأصيل ثقافة الايجابية والتفاؤل وحس المواطنة والالتزام بالتعليميات وقواعد العمل وأنظمة التعامل مع الحالة، وتوجيه الناس إلى الزام منهج التريث والحكمة في أخذ المعلومات من مصادرها الصحيحة، وفتح منصات أكبر للحوار وطرح البدائلـ والعمل المشترك وحل النزاع وحسن توظيف الموارد والامكانيات،  بما يضمن ضبط  سلوك  التهور والاندفاع وسرعة الأحكام والاشاعة، عبر توظيف مناهجه ومساقاته التدريسية وطرائق التعليم والتعلم، وما تمتلكه بيئاته من فرص تطبيق هذه المبادئ وحشد التأييد لها،  ودور المعنيين  والقائمين عليه والممارسين له  في تعزيز أخلاقيات الأزمات في سلوك الأجيال وتعاملهم مع الحالة.

لقد أبرزت أزمة الخليج الأخيرة الحاجة إلى دور أكبر للتعليم في بناء أخلاقيات الأزمة وفق معايير الثبات والمصداقية، يضبط خلالها مسارات العمل الإعلامي، ويوجهه نحو التزام الأخلاق وتسويقها وترويجها وتعميق حضورها في سلوك الإعلامي ورئيس تحرير الصحيفة، والمسؤول والمواطن العادي وفي الثكنة العسكرية والمدرسة والجامعة والمرابطين في الحدود وغيرهم،  وعدم التأثر بأفكار اعلامية أو شخصية ترويجية،  تستهدف التأثير في النسيج الاجتماعي الخليجي الواحد، وزيادة فجوة التباعد بين أبناء البيت الواحد، بما يضمن بناء ثوابت اخلاقية، متجددة في عملها ، قوية في مصادرها، متوازنة في إدارتها للحالة، في السلم والحرب، وفي وقت الأزمات أو غيرها، لا تتغير بتغير الحالة، أو تتهاوى موضوعيتها بمجرد  اختلاف وجهات النظر، أو تعتمد على مزاجية الأفراد وتقلباتهم ونظرتهم لمصالحهم الشخصية، ولا يمكن للتعليم الوصول إلى هذا الهدف؛ إلا إذا امتلك زمام القيادة والتوجيه لحياة المواطن ، والتزم بتغذية الإنسان الأخلاق الرفيعة والقيم الحضارية الراقية، وبرزت هويته في واقع حياة الاجيال، ومنظومة الوعي لديهم في طريقة التعاطي مع الأزمة وموقعهم فيها، وعدم الزج بهم في قضايا خلافية واهية، وأفكار نمطية، تتغاير مع مبدأ المشترك القيمي والمؤتلف الإنساني باعتباره مدخل علاج الازمات، والتعامل معها بكل مصداقية ومهنية وترفع عن الزلاّت.

مقالات ذات صلة

اترك رداً