د. رجب العويسي يكتب: كيف يضمن التعليم تحقيق فهم أعمق لضرورات التعايش مع الاختلاف؟

الدكتور رجب بن علي العويسي-كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعلي

التعايش مع الاختلاف سنة كونية وطبيعة بشرية، ويبقى رقي الأمم والشعوب في التعامل مع هذه الحقيقة، بقدر ما تمتلكه من أدوات التعايش، وأنسجة التناغم وتوظيف الاختلاف من أجل التكامل، في تكوين فرص أكثر تعزز من بدائل الحل، فيرتقي الجميع في أسلوب خطابه مع الآخر، لأنه يجد فيه شريكه وسنده وعضده الذي يبني خلاله مفهوم الحياة الآمنة المطمئنة، ويستطيع خلاله أن يتفاعل مع معطياتها ويواجه تحدياتها، في ظل تناغم بات البحث عن تأسيسه أولوية إنسانية معاصرة ، في ظل ما يرصده واقعنا المعاصر من تحولات وافكار تطرح مفهوم التعايش بصورة مغايرة، تبرز فيه فرضيات الاختلاف السلبي واقصاء الراي الآخر وأثرة السلطوية والفوقية في التعامل مع الآخر، وصورة الاخر المختلف المشوّهة التي يطبعها الاعلام بحسب أمزجته وأجندته او استحالة الالتقاء الفكري بين بني البشر، او الصدام الثقافي والعقائدي الذي يمهد لمرحلة من الانتقام والثأر والخلاف والعدوان وانتهاك الحقوق والحرمات، أو الاستبداد بالسيطرة على خصوصيات الغير، وأفكاره وقناعاته ومصادرتها.

من هنا يأتي دور التعليم عبر فلسفة عمله ومناهجه وأدواته وثقافته في توظيف القيم والاخلاقيات والمنهجيات التي رسمها الدين وحددها النظام الأساسي للدولة وقوانين الدولة وسياساتها، لبناء مفهوم أعمق للتعايش كضرورة حياتية، تحفظ لكل ذي حقوقه وتحدد له واجباته ومسؤولياته، في ظل مبادئ الاعتراف والاحترام والتقدير وإدراك للخصوصية وحسن التعامل، بما يضع الأجيال أمام فهم أعمق لديهم، بقيمة التعايش كمنطلق لبناء مرحلة متجددة من العمل المشترك بين بني البشر، وهو ما يستدعي المزيد من الوعي وتعميق الفهم والحس بالقيمة المضافة للتعايش كمدخل للعيش المشترك، وبناء ارضيات الحوار والتواصل والحب والوئام والود، بحيث يتجه العمل نحو ترسيخ منظومة التعايش كحالة ضرورة حياتية وليست مجرد متطلب وقتي تفرضه الظروف والاحوال، وتبقى مسؤوليته في توجيهها وإعادة صياغة مفردات الاختلاف ومفاهيم التعايش ومحدداته، والموجهات العملية التي تنقل هذا المفهوم إلى إطار من العمل المشترك في المجتمع ، وشعور متبادل ومنظومة قيمية وأخلاقية توجه مسار هذا التعايش لمزيد من التناغم وتقبل العيش المشترك، ويعزز من فرص التقارب او التكامل وتعزيز العلاقات وتعميق وشائج القربي وحسن الجوار والتواصل والعمل بروح الفريق، وتعزيز الافادة من وجهات النظر وتناغم الافكار في زيادة الابتكارية في البدائل والتجديد في الادوات، وبالتالي تحويل الاختلاف إلى إطاره الايجابي الذي يضمن استمرارية الحياة والتطوير والتجديد والتنمية، وبناء مساحات الأمل وأرصدة النجاح، وإدارة معطيات الواقع اليومي عبر تعميق الشعور بالاختلاف كقيمة انسانية، تضمن فرص أكبر للتعايش، كأرضية داعمة تنطلق منها المجتمعات لاستشراف مستقبلها وتمكين مواردها وتوظيف كوادرها، انطلاقا من اجتماعية الإنسان وميله للارتباط، وحاجته الى الانضمام إلى مجموعة ينسجم معها نفسيا وفكريا واجتماعيا ووظيفيا، واشخاص يتباينون معه في الأفكار والمنطلقات والتوجهات، بل حتى في العقيدة والديانة، ليبني في ظل مشترك القيم والمبادئ والحقوق والواجبات والمسؤوليات فرص التكامل معهم لاستمرارية تقدم الاوطان وتطورها.

لقد شكّل منهج التسامح العماني القائم على مبدأ التعايش مع الاخر، وتعامله مع الاختلاف كضرورة حياتية في مجتمع واحد تتفاعل فيه مختلف الفئات والمذاهب والمعتقدات يجملها صدق المبدأ وثبات الهدف ووحدة المبدأ والمصير ومشترك الوطن، منطلقا للتعليم في رصد متطلباته، وبناء نماذج حيّة قادرة على التكيف مع كل أسباب الاختلاف المتوقعة، والوقوف في وجه كل الصيحات التي تحاول التأثير في النسيج الاجتماعي الواحد، أو الأفكار التي تضع الاختلاف شماعة لفجوة التقارب، بما يضمن تعميق الشعور بقيمة التعايش ومقوماته ودعائمه، وتوجيه الاهتمام به والمحافظة عليه، وسن التشريعات والأنظمة التي تحفظ له موقعه في الخريطة الوطنية والأمنية والاجتماعية، والبحث عن بدائل وأفكار ومنطلقات متجددة تستوعب مفهوم الاختلاف وتصحيح المغلوط من الأفكار والممارسات؛ محددات يمكن للتعليم توظيفها في تحقيق فهم أعمق للتعايش- ونحن نعيش بركات عيد الفطر السعيد-، نابع عن اختيار الاجيال ورغبتهم ويترجم هويتهم واخلاقياتهم، بما يحفظ للذاكرة الحضارية العمانية رصيدها المتميز والثري في فقه التعايش، والعيش المشترك، ومنهج التعامل مع الاختلاف والتسامي فوق الخلاف.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً