بدر العبري يكتب: التّفسير الإنسانيّ للقرآن الكريم- سورة الفاتحة

بدر العبري- كاتب عماني

سورة الفاتحة أول سورة في القرآن الكريم، ولهذا سميت بالفاتحة؛ لأنّها يفتتح بها سور القرآن، وقيل سورة الفاتحة افتتح بها كلام الله نزولا؛ لأنّها أول ما نزل من القرآن على قول، والأكثر أول ما نزل سورة اقرأ.

وهناك تسميات أخرى للفاتحة أشهرها ما جاء في رواية: [هي أمّ القرآن، وهي السّبع المثانيّ، وهي القرآن العظيم]، ورواية: [هي أمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السّبع المثانيّ]، ولهذه الرّواية مال العديد في تأويل السّبع المثانيّ في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر/87] أنّها سورة الفاتحة، واحتجوا بأنّها سبع آيات!!

وهناك أسماء أخرى شهيرة أيضا لها كسورة الحمد والشّفاء وأساس القرآن والرّقيّة ونحوها.

وبطبيعة الحال لا يهمنا هنا الجدل حول السّورة ومسمياتها وهل هي مكيّة أم مكيّة ومدنيّة أي باعتبار نزولها مرتين، وكذا الخلاف حول عدد آياتها وكلماتها وحروفها!!

الّذي يهمنا هنا الجانب الإنسانيّ من السّورة المباركة، ولماذا تكرر قراءتها في الصّلوات في جميع ركعاتها!!!

 عندما نتأمل هذه السّورة المباركة نجدها تحوي هذه المفردات الإجماليّة: [الاستعانة، الرّحمة، الحمد والثّناء، الملك الأخرويّ، العبوديّة الخالصة، الهداية، تجنب طرق الضّلالة والانحراف].

عندما نتأمل هذه المعاني نجدها بحق المسار العام الّذي يسير عليه القرآن الكريم توحيدا وعبادة وسلوكا، وهي المسارات الّتي يراها القرآن لبناء الإنسان.

فهو يخلّصه من الخرافات المرتبطة بالموروثات الشّعبيّة، والّتي تتراكم مع مرور الزّمن لتتحول إلى جانب مقدس، فأصل الخرافة حادثة عاديّة، ثمّ لنقل الرّواة تحدث الزّيادة، وهكذا تتراكم حتى تتحول إلى عقيدة شعبيّة، وقد تتحول إلى عقيدة دينيّة نتيجة الإضافة إلى جانب مقدس ككتاب إلهي أو نبي أو حبر أو عالم أو رجل صالح، وقد يكون أصلها حادثة تُعمد في وضعها من البداية لأسباب مجتمعيّة أو سياسيّة أو دينيّة مذهبيّة.

من هنا جاء القرآن ليحرر العقل الإنسانيّ من الاستعانة بغير الله سبحانه وتعالى كاستعانة غيبيّة تعبديّة، وهذا لا يعني بحال عدم البحث في السّنن الماديّة، والاستعانة بها في الكشف وتسخير سنن الحياة في البناء، وإعمار الأرض وإصلاحها، فهذا في حدّ ذاته عبادة.

ولكن يجب التّفريق بين العبادة والتّعبد، فالأولى أشمل، ومن العبادة كشف آيات الله تعالى في الكون والبحث فيها كما سيأتي في عشرات الآيات في القرآن الكريم.

وأمّا كتعبد فيبقى مرتبطا بالذّات الإلهيّة، [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ].

وارتباط التّعبد بالله وحده يخلص الإنسان من الوثنيّة والخرافة، وشمول العبادة يجعل المساحة واسعة لسير الإنسان في الأرض بحثا وكشفا ونظرا، واستغلال الطّاقات البشريّة في البناء لا الهدم.

ولهذا ارتبطت الاستعانة بالرّحمة؛ لأنّ العلاقة بين المخلوق والخالق قائمة في الأصل على الرّحمة وليس العذاب، وهذا بذاته يسقط أملا وتفاؤلا في نفس المخلوق، ليسقط بذاته الرّحمة على باقي البشر، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء/  107].

ولهذا جعل الله تعالى الحكم الأخرويّ له وحده لا شريك له: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص/ 70].

فمن رحمته سبحانه خلق العباد مختلفين لغة وفكرا وشريعة وثقافة، ليستغل هذا الاختلاف في البناء، ومن هنا جعل سبحانه الحكم الأخرويّ خاصا به؛ لأنّه أعلم بعباده، وهو العدل الّذي لا يظلم أحدا أبدا، ولأنّ الحكم الأخرويّ مطلق الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، وعليه الانشغال به مشاركة معه سبحانه، وهدم للرحمة البشريّة بين الخلق جميعا، القائمة على الشّراك في بناء الحياة من جهة، وعلى البر والقسط في خيراتها والعيش فيها من جهة أخرى.

وعلى الإنسان أن يبحث على الهدايّة، والبعد عن طريق الضّلالة، وهذا حق له، لا أن ينصب نفسه إلها يشارك الله تعالى في الحكم على العباد.

هذه المعالم مشكلة للمنهج العام الّذي يعيشه هذا الإنسان، ومن هنا يكرر المسلم هذه السّورة في صلواته اليوميّة، متذكرا الخطوط الإنسانيّة الّتي يسير عليها مع إخوانه من البشر، وكما سنراه في قراءة السّورة قراءة إنسانيّة تأمليّة في المقالات القادمة.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً