الثلاثاء , 19 سبتمبر 2017 3:50 م
الرئيسية / الرئيسية / استعدادات السلطنة .. للأزمات الجيوسياسية (1)

استعدادات السلطنة .. للأزمات الجيوسياسية (1)

أثير- د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عبدالله باحجاج

 

قدر بلادنا أن تعيش في منطقة اقليمية حافلة بالأزمات والحروب ، القديمة منها والحديثة ، وقدر هذه المنطقة أن تشعل ازماتها وحروبها قوى عالمية ، تحريضا وفتنة ، لتحقيق اجندة متعددة ، منها ما هو معلوم ، ومنها ما هو مجهول ، لكنه يدرك بالوعي من خلال اعمال الحواس الخمس ، فكيف اذا التقت هذه الاجندة ،، ظرفيا،، مع طموحات سلطوية ، مستعدة أن تعيد الخارطة الاقليمية لمصالح ذاتية ؟

لن يمكننا أن نقتلع جغرافيتنا الوطنية ، ونختار مكان أخر ، ولا جيران أخرين ، هذا قدرنا ، ونسلم به ، لكننا لن نسلم من اكراهاته ولا تحدياته المباشرة وغير المباشرة ، رغم ما تتبناه بلادنا من سياسية عقلانية بعيدة كل البعد عن الانفعالية ، وعن المغامرات السياسية ، وعن التدخلات واية استفزازات لفظية أو فعلية ، بل أن حيادها الايجابي قد أصبح يضعها امام اكراهات حتى لو كان وراءه دوافع انسانية .

أذن ، لا مناص من مواجهة التساؤل التالي ، ماهى خطوطنا الدفاعية لمواجهة الازمات الجيوسياسية و تداعياتها ؟ لدينا الان تصورات ذهنية بماهية الأزمات الجيوسياسية ، وطبيعتها ومستقبلها ، يمكننا من خلالها رسم خارطة بالخطوط الدفاعية لمواجهة الازمات ، ولو توقفنا عند الازمة الراهنة بين الاشقاء ، فإنها تفتح لنا الافاق على مصاريعها في تحديد الازمات الجيوسياسية المقبلة ، وتداعيات الازمة الراهنة على المنطقة بما جغرافيتنا الوطنية ، ونأخذ مصطلح الجيوسياسية من منظورين ، اضيق ، وهو تأثير الجغرافيا على السياسة ، والاخر أوسع ، ويشمل الروابط والعلاقات السببية بين السلطة السياسية والحيز الجغرافي – كما سيأتي توضيحه لاحقا –

ولا ينبغي أن نستبعد ان تجر بلادنا الى أية ازمة اقليمية راهنة أو مقبلة ، بسبب حيادها الايجابي ، وكلنا نعلم كمتابعين للسياسية الخارجية العمانية ، تدخلاتها الايجابية في الازمات لدواعي إنسانية ، والاخطر ما في الازمات الجيوسياسية الجديدة ، تحولها الى منطق اللامعقول ، وهو ،، إن لم تكن معنا ، فأنت ضدنا ،، وكذلك ، تجريم اية تعاطف إنساني مع تداعيات الازمات الجيوسياسية ، وهذا توجه سوف يشكل أبرز اكراهات المرحلة المقبلة .

لذلك ، فالتساؤل سالف الذكر تفرضه الضرورات العمانية ، فهناك مجموعة ضرورات – ليس ضرورة واحدة – تبرر مشروعية طرحه الان ، وتختزل هذه الضرورات ، قضية ديمومة سيرنا الطبيعي الامن في كل مناحي وشئون دولتنا ، وكذلك التمسك بمبادئنا العمانية وسياستنا الخارجية سواء في الازمات أو دونها ، خاصة ما يتعلق منها بعمق علاقات بلادنا الاقتصادية والتجارية و….. الخ مع دول المحيط الجيوسياسي .

ومن وحي احدث الازمات الخليجية ، يأتي أمننا الاقتصادي والغذائي على راس الهواجس ، فكيف ينبغي تأمينه داخليا وخارجيا من حيث تعدد المصادر الجغرافية ، وتنوع طرق ووسائل الاستيراد والتصدير ، وتوسيع نطاق الشركاء التجاريين على مستوى الجغرافيات ؟ وذلك في ضوء ما تعطينا ازمة الاشقاء الاخيرة من دروس وعبر غير مسبوقة تماما ، لكنها في المقابل ، تدفع بنا الى الاستفادة منها في مجال تحصين بلادنا من ازمات مشابهة أو ازمات جيوسياسية جديدة .

فالأزمات الاقليمية ، تحتم على بلادنا تصنيف المخاطر من كل الجهات الجغرافية المحيطة بها ، مخاطر متوقعة ، ودرجة توقعها ، ومداها الزمني ، وغير المتوقعة ، ومن ثم نتائج المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والامنية .. الخ فالأزمة الاخيرة مثلا ، نخرج منها بأهم الدروس، وهى عدم الاعتماد الكبير على جهة استيرادية واحدة ، أو منفذ للاستيراد ، فلابد من تعدد الجهات ، كما يجب أن يكون هناك بدائل جغرافية مفعلة بالتوازي مع القائم لأسوأ الاحتمالات .

وهنا ، لا يمكن تجاهل (7) مواني بحرية في بلادنا ، كلها ذات اهمية جيوسياسية استراتيجية ، وكلها تفتح لنا منافذ امنة وخيارات تصديرية واستيرادية عديدة ، تكسر حدية الاعتماد على جهة ومنفذ واحد ، أثنان منها يقعان خارج منطقة الصراعات والتوترات الدائمة في مضيق هرمز ، وهما ، صلالة والدقم اللذين يطلان على بحر العرب والمحيط الهندي ، ويرتبطان بخطوط الملاحة الدولية المفتوحة ، ويوفران للحاويات الكبيرة ذات الطاقة الاستيعابية من (16- 18) الف طن تعادل (20) قدما ما بين يومين الى ثلاثة ايام ، علاوة على خفض تكاليف التأمين ، لكنهما ورغم ذلك غير مفعلان تجاريا .

فمستقبل ادارتنا لمثل هذه الازمات ، فتح مينائي صلالة والدقم كداعمين رئيسيين لعلميتي الاستيراد والتصدير في تلك المجالات مباشرة ، وللأسف ، فإن أغلبية استيرادنا يأتي من منفذ بحري واحد ، حيث هناك اعتماد شبه مطلق على ميناء اقليمي واحد ، فهل هذا يعكس الادارة الصحيحة لمنطق الازمات الجيوسياسية في ضوء تجربة أزمة الاشقاء الراهنة ؟

إذن ، هناك ما يبرر طرح ذلك التساؤل الان بالذات ؟ وهذه الانية تحتمها كذلك البعد الاقليمي وتقاطعه الدولي ، فالحتمية تشير فعلا الى اندلاع مخاطر جيوسياسية استراتيجية ، وردة فعل غاضبة على المواقف من ازمة الخليج الجديدة ، لن تنسى ، وستدفع دول المواقف الثمن في الوقت المناسب ، لابد من التلويح بهذا السيناريو ، وهو حتمي لكل مطلع على البعد السيكولوجي لصناع القرار الخليجي الجدد .

كما أن هناك تحليلات كثيرة تشير الى انفجار احتقانات قديمة ضمن معمعة الازمة الراهنة ، بخلفية دولية ، وكل هذه السيناريوهات التي نطرحها هنا ، لابد أن تخضع لجلسات عصف ذهني معمقة في مطابخ متخصصة ، يديرها تكنوقراطيين عمانيين من مختلف التخصصات العلمية ، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والاعلامية ، بالاستعانة مع خبرات اجنبية مماثلة وذات صدقية مهنية عالية المستوى ، من اجل رسم خارطة بالمهددات والاكراهات لواقعنا الشمولي من مختلف زواياه ومجالاته ، ومن ثم كيف يمكن مواجهتها قبل ان تقع وبعد أن تقع .

ومنظورنا الاخير ، يطرح نوعين من ادارة الازمات ، الاول ، التنبؤ والاستعداد لما قد يحدث ، خاصة الان بعد انكشاف البعد الاقليمي وتقاطعه مع ابعاد دولية ، بحيث يسهل لنا عملية التنبؤ بسهولة ، وثانيهما التعامل الفعال والمهني والسريع مع ما قد يحدث بالفعل في اية لحظات ، بما فيها امتصاص عنصر الفجائية أو المفاجأة الاولى ، وتعلمنا ازمة الاشقاء بان هذا الامتصاص يعد بمثابة النجاح الاساسي الذي يمهد لمجموع نجاحات مقبلة ، وتعلمنا أزمة الاشقاء كذلك ، أن الادارة المسبقة للازمات ، والعقلانية في ادارتها ، تحول دون إحداث التحولات في نمط سلوك الدولة والمجتمع نتيجة صدماتها الاقتصادية والاجتماعية .

من المسلمات الان بالنسبة لبلادنا ، أنه ينبغي وسريعا ، أجراء تقدير وتقييم واقعي لمستقبل توازنات القوى الاقليمية في ضوء مساعي بعض الفاعلين فيها على اعادة رسم الخارطة الاقليمية ، بتحديات امنية جديدة ، عبر كسر مفهوم التحالفات القديمة ـ وتأسيس عوامل جيوسياسية جديدة ، لأحداث تغيير عميق في قواعد اللعبة الاقليمية ، الذي يشغلنا هنا كثيرا ، التموقع الجغرافي الاستراتيجي لبلادنا ، وتأثير الازمات الجيوسياسية على شأننا الداخلي ، وهذا ما يدعونا الى رسم خارطة وطنية بالتحديات والاكراهات الجيوسياسية المقبلة ، وكيفية مواجهتها من منظوري ادارة ازمة قبل أن تقع ، وادارتها بعيد أن تقع .. للموضوع تتمة تحت عنوان خطوطنا الدفاعية لمواجهة ازمات جيوسياسية ، سنحاول في مضمونه الاستشهاد بحالة كنموذج لخط دفاعي حصين مهما كانت حدة الازمات الجيوسياسية المقبلة .

شاهد أيضاً

إدلال منصة عُمانية تعليمية تقدّم لك دورات تدريبيّة مميزة تعرّف عليها

أثير- سيف المعولي قال الأديب الإنجليزي صمويل جونسون: المعرفة نوعان: أن تعرف الموضوع أو أن …

5 تعليقات

  1. الدكتور / عبدالله باحجاج – المحترم

    بعد التحية و الإحترام ،،،

    كلمة شكر و تقدير لطرحك لهذا الموضوع المهم جدا و الذي هو هم و شغل شاغل لكل مواطن مخلص و حريص على مصلحة عمان و اهلها .

    هذا الموضوع يجب ان يكون حاضرا على الدوام فالذي يجري في عالمنا اليوم مهما كان بعده إلآ انه بحكم التداخلات السياسية و الإقتصادية فهو قريب و له تأثيره المباشر و غير المباشر.

  2. لا فُض فوك دكتور عبدالله مقال يكتب بماء الذهب .بُورك قلمك

  3. باختصار
    هكذا ينبغي… ان نستثمر الاحداث من الاخرين ونديرها بمنطق العقل..
    احسنت صنعا يا دكتور الفاضل على طرحك بموضوع الجميل

  4. بلا شك الرزانة والعقل واحتساب العواقب. والحكمة والشفافية والسعي الى البناء والسلام تثمر الفضيلة والقوة وتحسم الجدل ، فالصريح يكون هو صاحب المواقف القوية وصديقك من صدقك وذا كان الصدق خشن في نظر البعض فأن تحته حرير ولا يتحرى الاالقوي فالمحاباة والمداجات من اخلاق الضعفاء والانقياد والانسياق لكيف تريد الرياح

  5. أصبت عين الصواب وجئت رأس الحكمة

اترك رداً