لحظة غياب لـ محمد الشريقي

محمد بن حمد بن زهران الشريقي

في تلك القرية التي ترتمي بين أحضان الجبال ترعرع أيوب مستمدا من الجبال شموخها وعظمتها ، ومن النسيم رقته وعذوبته ؛ فنشأ قويا صلبا ذا همة عالية ،دمث الخلق كريم السجايا، فعرف بابتسامته الساحرة التي كانت تزرع المحبة والمودة في كل من يقابله ، فلم يكن يحمل غلا أو حقدا على أحد، فروحه طاهرة، وأنفاسه عذبة ، يحمل الخير والفرح أينما حل وارتحل.

فبعد أن ألقى الليل دثاره على وجه الأرض ، وعم الهدوء والسكون أرجاء المكان، وتزينت السماء بالنجوم كأنها قطعة حرير رصعت بذهب خالص ، وبدا القمر كأنه وجه محبوبة تطل من قصرها العالي لترقب محبوبها ، وتحرسه وترعاه بنورها، فخلد أهالي تلك القرية إلى النوم بعد يوم شاق قضوه في عمل وجد متنقلين في الحقول.

تنفس الصباح نفسا عميقا كأنه تنهيدة مريض يقاسي على فراش الموت، وينتظر فرج الله يأتيه ليخلصه مما فيه، وأخذ الصباح يزيح دثار الليل عن وجه الأرض شيئا فشيئا؛ فأشرقت الأرض بنور ربها، وغردت العصافير من هنا وهناك، وأرسلت ألحانها شجية عذبة ، وأهدت الوجود أنشودة الحياة التي تبعث في النفس الأمل والتفاؤل بيوم جديد يحمل الفرح والبهجة للبشر جميعا ، وبدأت الحياة تدب على وجه الأرض ، وكسا النور جوانبها ، وتفتحت الأزهار في أكمامها باعثة عطرها الفواح الندي.

استيقظ أيوب من نومه باكرا كعادته ، وأدى صلاة الفجر جماعة في مسجد قريته ؛ ليستمد القوة الإيمانية التي تبعث في الروح سعادة ونشاطا ، وبعد أن أنهى صلاته سلم على جميع المصلين، وذهب إلى داره ليسلم على أمه، ويقبل يديها ، ويطلب رضاها ودعواتها الصادقة، فأمه كانت تتمنى له مستقبلا مشرقاً حافلا بالعطاء والإنجازات كأقرانه ، وبعد ذلك اجتمع مع إخوانه على كوب شاي معتق برائحة الهيل والزنجبيل ؛ ليتناقشوا حول تخطيطهم لذلك اليوم، وليوزعوا بينهم جدول الأعمال في الحقل.

فحمل أيوب محراثه وانطلق يسابق العصافير التي تبحث عن قوتها، فكله نشاط وعزيمة ، وكله أمل بالغد المشرق الجميل الذي يأتي له بالسعادة والفرج ، فروى المزروعات ، وحرث الأرض حرثا بطيئا متقنا وكأنه يودعها لا إلى لقاء.

لم يكن أيوب يعلم ما يخبئه القدر له ، فبعد انتهائه من عمل الحقل قرر أن يذهب مع أصدقائه للسباحة في وادي القرية الذي جرى باﻷمس وأحيا الأرض بعد موتها ، فطالما كان يحلم أن يصبح مثل أترابه يمارس كل ما يعشقه بدون حدود أو قيود، فقد ابتلاه الله بمرض في عينيه منذ أن كان في السابعة من عمره ، وعلى إثره ضعف نظره ، وبعد أن أجريت له عملية في إحدى عينيه، بدأ الأمل يسري في داخله، ويستمتع بما في الوجود من أسرار إلهية، فالعين جوهرة ثمينة، لا يدرك قيمتها إلا الذي فقدها ، ولكن هذا الأمل الذي بداخل أيوب لم يدم طويلا، جاءه القدر بدون موعد أو سابق إنذار ، فأخذه من بين أصدقائه ، فبينما كان منهمكا بالسباحة أخذه الوحل الذي كان في أسفل البركة بعيدا ، وهو يلوح بيديه لأقرانه ويطلب منهم النجدة ولكن دون جدوى ، فكلهم لا يتقنون مهارة السباحة، وأصابهم الذعر والذهول من ألم الموقف فتجمدوا في أماكنهم دون حراك.

فيا ماء كم أرويت من ظمأى ، وكم أحييت من أرض قاحلة ، فخيرك كثير وأثرك عظيم، ولكنك فجعتنا فيمن نحب، وسلبت عنا روحا بريئة ، فيك يأمل الناس الخير ، وبقدومك يستبشر البشر ، فأنت تهب الحياة، ولكنك أخذت حياة حبيبنا ، فأصبحنا لا نرى بقدومك إلا الحزن والأسى ، وتعيد لنا ذكريات روح غيبتها، وطويتها عنا إلى الأبد.

رحلت عنا يا أيوب ، رحل جسدك النقي ، ولكن روحك بيننا ، بعدت الأجسام عن بعضها وبعد اللقاء، وظلت الأرواح متعانقة ، فمنك نستمد العزيمة والقوة والإصرار والطموح ، ففي كل ركن من أركان القرية وجوانبها لك أثر خالد، وفي كل زاوية نلمح خيالك.

رحمك الله رحمة واسعة وغفر لك ، وجعلك من الذين هم في (روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً