د.رجب العويسي يكتب: هل ستُفصح أزمة الخليج عن تحولات قادمة في التعليم؟

د.رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

ينطلق طرحنا للتساؤل من القناعة بأن أزمة الخليج الحالية، سوف يكون لها تداعياتها على التعليم وطبيعة الجهود المبذولة في العقود الماضية،  في سبيل البحث عن آليات عمل مشتركة تعزز للتكاملية والتنافسية والعالمية والجودة في منظومة التعليم بدول الخليج العربية مراعية في ذلك خصوصية كل دولة والنمط الثقافي والسياسي والاجتماعي السائد فيها، وهي اليوم تضعنا أمام مراجعة جذرية للتعليم وآلية التعامل مع قضاياه وبناء تحولات جديدة، جاءت المؤشرات على أهمية تحقيقها في سلوك الأجيال، فمسألة  التعليم للعمل، والتشغيل، والمنافسة  والجودة والمواءمة، والمشاركات الخليجية في المسابقات والدراسات الدولية المختلفة وغيرها من المسائل التي عكف مكتب التربية  العربي لدول الخليج ومراكزه التدريبية والبحثية والثقافية، وما قدمته مبادرات تطوير التعليم والمواطنة من توجهات إيجابية، لم تعد كافية لجعل التعليم رابطة اجتماعية قوية، قادرة على تعميق السلوك الحضاري الواعي لدى الأجيال في التعامل مع التحديات والمشكلات الداخلية، ليبني التعليم خلالها مسارات جديدة للمرحلة القادمة، في مناهجه وطرائقه ومحتواه وآليات عمله، ونُظم تقييمه وتقويمه ومعايير مدخلاته وعملياته ومخرجاته وأولوياته، بحيث ينطلق من فلسفة إنسانية لها ضوابطها وأسسها وأولوياتها واستراتيجياتها المتناغمة مع الواقع، المتجاوبة مع سلوك الإنسان الخليجي الواعي، وثقافته الراقية وطموحاته الواقعية المهذّبة، تلتزم منهج الثبات في المبدأ،  والصدق في المنهج،، متجاوبة مع مدركات التحول، وطبيعة الظروف،  ملتزمة الحياد والموضوعية في التعامل مع الازمات والاشكاليات الحاصلة بين دوله، بالشكل الذي يضمن لها مسار التفوق، والمرونة والثبات والاستدامة،  وكفاءة مداخل البحث والتشخيص، والتحليل والقراءة والمراجعة والتصحيح الذي تبنيه في الأجيال، عبر التزام صدق المعلومة، وسلامة المنهج، ورصانة التحليل، وواقعية قراءة المؤشرات، لبناء الشخصية الخليجية المحافظة على مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وحس المواطنة المسؤول، والايمان بالمشترك القيمي والمؤتلف الانساني، كمدخل لبدائل وحلول واقعية، ومنطلق للتعامل مع المشكلات، وبناء ثقافة وطنية قادرة على تجاوز الخلافات، عبر جعل التعليم طريق التعايش  مع الاختلاف،  والتضامن في ظل تنوع وجهات النظر، وتعددية الآراء وأشكال التعبير الثقافي، لتبني في ظله مرحلة أكثر صلابة وقوة  في مسار الأخوة  والتعاون والشراكة والتكامل، ويضع حدا لكل أساليب التعدي على الخصوصيات أو السيادة الوطنية، ويبني في ذات الأجيال مساحات العمل المشترك في مواجهة النزعات السلبية، والغوغائية الفكرية، أو الدعوات الطائفية والمذهبية والمناطقية التي  تحاول أن تزعزع النسيج الاجتماعي الخليجي، وتقوّض بنية التعايش والتسامح بين بلدانه، وأن يثبت التعليم قدرته على تعميق مسارات التقارب المعرفي،  والتناغم الفكري الذي يتجاوز كل اشكال التهديد لهويته وأصالته وروحه المتآلفة، وتأريخه الذي أعطى أنموذجا مشهودا في الوقوف يدا واحدة في مواجهة كل أشكال التغريب عن الهوية والأصالة والمواطنة والقيم، ليشكل بدوره رابطة خليجية مشتركة تحتضن الاختلاف، داعمة للوحدة، مؤصلة للتضامن، حافظ ة للإعلام والخطاب الديني، من الانحراف أو التشويه أو الزج به في دائرة  التضييق والسلبية.

من هنا كان علينا إعادة صياغة رؤيتنا للتعليم،  وطريقة تعاملنا مع أدواته، نقف على نقاط اتفاقنا حوله، وما حققه من مؤشرات النجاح السابقة، بما يمكّننا من  تجاوز إشكالات الخلاف،  وبناء فلسفة تعليم تتسم بالثبات والمصداقية والقوة، تبدأ من قدرتنا على تشخيص واقع المنطقة، وفهمنا لاحتياجات الإنسان الخليجي، ووعينا بخصوصياته، وتجاوز خلافاتنا الداخلية،  لتكون منطلقنا لتغيير نمط عاداتنا، وبناء مدخلات أكثر رصانة تقوم على الحوار والتفكير الناقد والتربية النقدية المتوازنة، والتمكين والحرية المسؤولة، وبناء القدرات الاعلامية المخلصة لمنجزها الخليجي، الداعمة  لكل التحولات الايجابية المشتركة المحققة للسلام العالمي، المراعية لخصوصية الآخر والسيادة الوطنية لكل دوله، والمتفهمة لأنظمة العمل والتشريعات والقوانين والمواثيق الدولية، فعندما يكون التعليم واضعا يده على هذه المرتكزات، مدركا بأن تحدي الاختلاف وارد بين بلدانه، يعمل على ابتكار الادوات، وتأصيل ثقافة التعامل مع أزمة الخلاف، والتعايش الأخلاقي في ظل اختلاف، سوف يضمن قدرة الأجيال على إدارة مشروعهم التنموي الحضاري، عبر امتلاكهم أدوات التغيير والتطوير والتأثير والاحتواء معا.

 

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً