بدر العبري يكتب: التفسير الإنساني لـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بدر العبري- كاتب عماني

افتتح الله تعالى بداية السّور في كتابه عدا سورة براءة بالبسملة، ولا يهمنا هنا بطبيعة الحال الجدل الّذي أشهره بين قرّاء المدينة والبصرة والشّام وفقهائهم، وبين قرّاء مكة والكوفة وفقهائهم، فيرى الفريق الأول أنّ البسملة ليست آية من القرآن رأسا، وإنّما هي للفصل والتّبرك، بينما يرى الفريق الثّاني هي آية من جميع السّور عدا براءة.

            وإلى الفريق الأول ذهب مالك ت179هـ ونسب إلى أبي حنيفة ت 150هـ، ورواية عن أحمد ت241هـ، وإلى الفريق الثّاني ذهب الإباضيّة والزّيديّة والشّافعيّة والإماميّة، وبين الفريقين آراء أخرى كرأي أنّها آية من الفاتحة فقط، والباقي للفصل والتّبرك!!

            والبحث في هذا الجدل لا يؤدي إلى نتيجة لسببين: الأول، الكلّ يعظّم كتاب الله تعالى من الجلدة إلى الجلدة، بما فيه البسملة، والثّاني، الكلّ يفتتح بها قراءته للقرآن وصلاته، فالخلاف أشبه باللّفظيّ منه الخلاف المؤدي إلى الشّقاق والبغضاء والعداوة.

            والكثير من الخلاف بين المسلمين لا ثمرة له معنويّة واقعا، كالخلاف في الغيبيات كرؤيّة الله تعالى مثلا، فكلّ الأطراف تدور بين فلكين، الفلك الأول عدم إنكار النّص، والفلك الثّاني البعد عن التّشبيه، فمن نفى الرّؤية لم يرد إنكار الرّوايات للهوى، ولكن جعل النّص القرآنيّ حاكما عليها، وخروجا عن التّشبيه في الوقت نفسه!!

            ومن أثبتها لم يرد جعل الله مجسما ومحدودا، ولكن وقف مع بعض الآيات الظّاهرة، وبعض الرّوايات، مع تعظيم الفريقين لله سبحانه وتعالى وتنزيهه، ودائرة التّعظيم هي الدّائرة الواسعة الّتي لو انشغلنا بها ستضيق دائرة الخلاف يوما بعد يوم!!

            وكذا الحال في قضيّة الخروج من النّار، فمشكلة ذلك كالأول، وهو الخلاف بين جعل ظاهر الرّوايات حجة على المرويات خصوصا، وبين التّعلّق بهذه المرويات، ومع هذا سنجد الفريقين متفقين لا أحد منهم يريد أن يدخل اليأس في قلوب العباد، وأن يضيّق رحمة الله، وفي الوقت نفسه لا يريد أحد منهم فتح الباب للعصاة ليفعلوا ما يشاؤون، وينتهكوا حرمات الله تعالى ليل نهار!!!

            والحال نفسه في قضيّة الصّفات، فمن ضيّق لم يرد تعطيل صفات الله تعالى، ومن توسع لم يرد تشبيه الله بخلقه، ومراد الفريقين تعظيم الله تعالى في الوجهين!!

            ومن الصّفات ينطبق على قضيّة خلق القرآن، فمن قال بأنّه مخلوق لم يرد إنكار كلام الله، ولكن خشي أن ينسب الصّوت والحروف والجلد إلى صفات الخالق الأزليّة وغير المحدودة، ومن نفى الخلق خشي أن يجعل صفة الكلام لله تعالى مخلوقة، وأخذ بظاهر بعض الآيات.

            عموما سنتحدث في هذا التّفسير الإنسانيّ عن جوانب عديدة، ومنها ما ذكرناه، فقط ما ذكرته هنا للإشارة لا غير، لندرك أنّ العديد من الخلاف لا قيمة له عمليا، ولكن لأسباب سياسيّة ومذهبيّة نجعل من الصّغير كبيرا، أو من الحبّة قبة!!

            (بسم الله) أي أستعين بالله تعالى وحده وأنا أفتتح قراءة كتابه وتدبره والتّأمل فيه، سواء كان تقدير الفعل متقدّما على قول أي أفتتح ببسم الله، أو متأخرا على الأشهر أي بسم الله أفتتح بها قراءة القرآن.

            والباء على الأشهر للإلصاق، وأضيفت الاستعانة إلى الله، والإضافة صورة من صور التّخصيص، وعليه أنّ المضاف إليه مسند إليه المراد به العظمة والجلالة، ولأنّ موقف الاستعانة موقف استعلاء وصف الله تعالى الحالة بأنّها في الحقيقة حالة رحمة؛ لأنّه كما أسلفنا أنّ الأصل في العلاقة بين العبد والخالق علاقة الرّحمة، لا علاقة الغضب والعذاب.

            ولهذا أتى الله تعالى بوصفين على صيغتي المبالغة فعلان وفعيل أي رحمن ورحيم.

 والله تعالى لم يخصص الرّحمة في الدّنيا ولا في الآخرة، ولم يشر هنا إلى المؤمنين ولا الكافرين، فقد فهم أغلب أهل التّفسير أنّ الرّحمن أي الرّحيم بالمؤمنين والكافرين في الدّنيا، والرّحيم أي بالمؤمنين فقط في الآخرة، لزيادة المبنى في فعلان، وزيادة المبنى يؤدي إلى زيادة المعنى!!

والحقيقة هذا تكلّف بلا دليل؛ لأنّ المراد هنا بيان الرّحمة الإلهيّة المرتبطة بذات الإنسان، وأكدها بصيغتين من صيغ المبالغة؛ لأنّ أصل العلاقة ولوازمها كالاستعانة قائمة على الرّحمة!!

وإذا كان هذا بالخالق العظيم، فكيف بمن وكل بها استعانة سببية، كحاكم في دولة، أو وزير في وزارة، أو مسؤول في مؤسسة، أو شيخ في قبيلة، فيجعل الاستعانة السّببيّة والواجبة عليه طريقا لتكبره على الخلق، واستعلائه عليهم، واستغلال حاجتهم، فلا أثر للّرحمة هنا، وقد يرحم ذوي القربى والمصلحة، ويقصي غيرهم إمّا لخلاف جنس أو لون أو كانوا من طبقة الفقراء وذوي الحاجة.

وأصل الرّحمة في اللّغة الشّفقة والرّأفة والعطف، وهذا ما يتجسد في الكون، لذا حبذ أن يأتي بالبسملة الإنسانُ قبل كلّ فعل ليدرك رحمة الله تعالى من جهة، ويسقط هو هذه الرّحمة على نفسه وغيره من جهة أخرى.

فإذا افتتح بها طعامه تذكر نعمة الصّحة والعافيّة، وليتصور لو فقد نعمة الذّوق، أو لم يكن به لسان، أو ضعفت فيه شهوة الأكل؛ كيف يتلذذ بهذا الطّعام، ثمّ ليشكر الله على هذه النّعمة، فهنا من البشر يشاركونه الحياة، ولا يجدون ما يأكلونه، أو يشق عليهم شراء ما يتمتع به لضيق اليد، فتدخل الرّحمة قلبه، فلا يسرف ويتباهى؛ بل يشكر الله تعالى ليكون مجسدا لهذه الرّحمة بين البشر إنفاقا وصدقة.

وهكذا الحال إذا لبس ثوبه، أو دخل بيته، أو قاد حافلته، ليدرك رحمة الله عليه في لباس يتزين به، وبيت يسكن فيه، وحافلة تعينه في قضاء حوائجه، وليدرك عندما يكرر البسملة رحمة الله عليه، بأن يسر له ذلك، ليسقط ذلك على البشر رحمة، لا مباهاة وإسرافا وخيلاء.

فللبسملة معانٍ إنسانيّة تتجسد في العلاقة بين الاستعانة والرّحمة، فالاستعانة تجسيد للرّحمة وليس الاستعلاء والكبرياء والخيلاء!!

 

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً