الثلاثاء , 19 سبتمبر 2017 3:47 م
الرئيسية / الرئيسية / د.عبدالله باحجاج يكتب: خطوطنا الدفاعية .. في الازمات الجيوسياسية(2)

د.عبدالله باحجاج يكتب: خطوطنا الدفاعية .. في الازمات الجيوسياسية(2)

د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كاتب عماني

عبدالله باحجاج

أشرنا في مقالنا السابق المعنون باسم “استعدادات بلادنا للأزمات الجيوسياسية” إلى التحولات السياسية الكبيرة التي طرأت على قواعد اللعبة الخليجية، وسلاح المقاطعة الجديد الذي أصبحت تتبناه السياسة الخليجية في أزماتها الراهنة، وأكدنا على أن هذه التحولات تجعل من بلادنا في قلب هذه الأزمات الاقليمية، سواء بحكم تموقعها الجغرافي الجيواستراتيجي، أو بسبب حيادها الايجابي حتى لو كانت محركاته دوافع انسانية.

وسلاح المقاطعة – تحديدا -سيشكل أهم الاكراهات التي ستواجه سياسة الحياد العمانية، لأنها -أي الازمات-لن تقبل حياد الدول، بعد أن تبنت الأزمة الخليجية سلاح  الحصار والمقاطعة الاقتصادية من أجل تحقيق اجندة سياسية، وبالتالي، فإن مبدأ  “إن لم تكن معنا فأنت ضدنا” سيكون أهم التحولات في قواعد اللعبة الاقليمية .

وهذا الاستشراف تفتحه لنا أزمة الاشقاء الراهنة، وبسببه اختتمنا مقالنا السابق بتساؤل عاجل عنونا به مقال اليوم، لدواعي أخذ كل الاسباب والمسببات اللازمة لتحييد التأثير الجغرافي على استقلالية قرارنا من جهة، وتأمين جبهتنا الداخلية، وتحصينها من أية تأثيرات الجغرافيا السياسية الاقليمية، من جهة ثانية.

وهنا، ينبغي أن نطرح تساؤلين مهمين، يشكلان مقدمة ذهنية لطرح الموضوع ، وهما :

س: الى مدى ينبغي أن يكون درجة اعتماد بلادنا على دول المحيط الجيوسياسي تحسبا لأزماته المقبلة؟ والاستشراف في هذا التساؤل، ينبغي أن يكون شاملا في كل المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن ثم علينا أن تكون لدينا بدائل وخيارات وسياسات جديدة من وحي الازمة الخليجية الراهنة .

وهذا التساؤل يدفع بنا الى طرح التساؤل التالي: ما هي درجة اعتماد بلادنا الراهن على دول المحيط الجيوساسي؟ والاجابة على هذا التساؤل ينبغي أن يكون من المنظور الشمولي في كل قطاع من تلكم القطاعات سالفة الذكر، والإجابة عليه، ستجعلنا نقف على حجم التأثير مستقبلا من جهة ويضعنا أمام الحل وبصورة عاجلة .

ومن خلال ما سيأتي، سنرى أنه لا ينبغي أن تظل اوضاعنا في نطاقها الشمولي كما كانت قبل ازمة الأشقاء، فهذه الأزمة عمّقت أزمة الثقة الخليجية لعقود، وغيرت قواعد اللعبة الاقليمية، ومن ثم تدخل مراجعتنا لمجمل علاقاتنا مع دول المحيط الجيوسياسي في صلب إدارة الازمات قبل أن تقع.

وقد اقترحنا في المقال السابق، تشكيل منصة عصف ذهني متعددة المجالات ومن تكنوقراطيين وباحثين لرسم خارطة المواجهة الشاملة لهذه التأثيرات الجيوسياسية، الا أننا ، سنخصص هنا للحديث عن نموذج واحد للقضية الشاملة التي نطرحها في مقالين متتاليين ، وهو قضية رهاناتنا المطلقة على شركاء تجاريين من المحيط الجيوسياسي، وبالتالي توضيح درجة المخاطر المتوقعة منه .

فمن المعروف أن بلادنا تعتمد حاليا على الخارج بغية تأمين (60%) من احتياجاتها الغذائية، ومن المفارقة الكبيرة، اعتمادها على دولتين من دول هذا المحيط في استيراد بعض السلع الغذائية بصورة مطلقة أي (100%) وهما تعدان أكبر أسواق التصدير للسلطنة بقيمة (7،5) مليار دولار غير النفطية وإعادة التصدير.

اكتشفنا ذلك في اطار بحثنا عن مستوى الشركاء التجاريين لأهم السلع التي نستوردها من دول المحيط الجيوساسي، وقد بدأت  لنا المخاطر الجيوسياسية أكبر ، وقد تؤثر على صناعة قرارنا السياسي في الازمات الجيوسياسية ، فمثلا ، هناك دول من هذا المحيط ، اعتمادنا عليها في استيراد بعض السلع الغذائية تتراوح بين (100%- 92% -74% -83%- فيما تبلغ عدد  شركات العاملة في بلادنا من قبل احدى الدول الفاعلة في هذا المحيط (….) بالآلاف، فيما يبلغ عدد شركاتنا العمانية العاملة فيها (230) شركة .

فكيف ستكون صدمتنا في حالة اندلاع الازمات الجيوسياسية بعد تحولاتها السياسية ، واعتماد سلاح  المقاطعة والحصار الاقتصادي ؟ والتساؤل نطرحه حتى لو لم تكن بلادنا في الازمة مباشرة ، بمعنى طرفا فاعلا منتجا له أو في موقع ردة فعل للفعل ، وهذه المسألة في غاية الأهمية الوطنية، من منظور العبارة القائلة من يتحكم في الامن الغذائي وقت الازمات سيؤثر في القرارات السياسية .

وأدنى هذا التأثير نستشرفه في ارتفاع اسعار المواد الغذائية في بلادنا، خاصة وأن الاعتماد على استيراد المواد الغذائية يشكل شبه تام من محاصيل الحبوب، وبنسبة كبيرة من المواد الأساسية الاخرى كالسكر والخضروات والفواكه ، علما بأن الاسرة العمانية تنفق ما بين (30- 60%) من دخلها عل  الغذاء، فمثلا الخضار والفواكه (74%) والحبوب (25%) ، فكيف سيكون حجم الفاتورة الاجتماعية على الغذاء في الازمات ؟

بل إن الاختلال في درجة الاعتماد، يصل الى مستوى ربط عمليات استيرادنا وتصديرنا بسوق اقليمي واحد فقط، وقد أصبح يعد بمثابة مدخل لشركاتنا العمانية لسوق الشرق الاوسط وشمال افريقيا، ولو حدث لنا معه أزمة مباشرة أو غير مباشرة ، فكيف سيكون وضعنا الداخلي ؟

ومن التساؤل الاخير، نصل الى الحلول العاجلة ، وهى تتمحور في ضرورة تبني مسارين في آن واحد: الأول توسيع نطاق استفادتنا من موانئنا البحرية والجوية ، فموقع بلانا في غرب آسيا، ووقوعها في الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، واطلالتها على المحيط الهندي وساحلي بحر العرب وبحر عمان، يجعلها متحررة دائما من أية ازمات جيوسياسية ، لكننا لم نستغل هذا الموقع كما يجب ، مما أصبح رهاننا على أمننا الاقتصادي والغذائي على منفذ استيرادي واحد .

فمثلا ميناء صلالة المطل على المحيط الهندي ، فموقعه الاستراتيجي بالقرب من مسار الخطوط الملاحية التي تربط بين قارتي أوروبا وآسيا، والبعيد عن مناطق التوترات في الخليج ، ينبغي أن يفتح لعلميات الاستيراد من مناطق خارج المحيط الجيوسياسي ، فهذا منفذ آمن من المخاطر، وفي ازمات الخليج الحديثة ، تقوم الدول الخليجية بتحول تجارتها الى هذا الميناء .

وكل من يبحث في الخارطة التجارية العالمية، سيجد هذا الميناء إضافة الى ميناء الدقم ، يتوسط أكبر الاسواق الاقتصادية العالمية ، لذلك لا بد من توسيع نشاطاته ، ليشمل عمليات الاستيراد والتصدير ، وليس جعله حكرا على اعادة التصدير فقط ، والمصلحة الوطنية تحتم الان توسيع نطاق عمليات استيرادنا من اسيا كالهند وباكستان والصين ..الخ، فهذا أول تحول ينبغي إحداثه كاستحقاق لمواجهة الازمات الجيوسياسية .

 كما يقول محللون إن الموانئ العمانية تقدم فرصا استثمارية كبيرة، وان ارتباطها بمدن صناعية كبيرة تتيح فرصا كبيرة لإنشاء الشركات في كل المجالات الصناعية والتجارية، وهذا يفتح لنا مسار آخر، وهو كسر الاحتكارات ، ويحرر شركاتنا من مركزية الاعتماد على سوق اقليمي وحيد للانطلاقة نحو الاسواق الاخرى .

والثاني: الشروع في الانتاج المحلي لبعض السلع المستوردة من دول محيط الجيوسياسي ، لتخفيف حدة التأثير على داخلنا في حالة الازمات ، وجعل كذلك مشاريعنا الزراعية في عدد من دول شرق آسيا مثل تايلاند وكمبوديا وفيتنام ، وافريقيا مثل السودان ، تخدم أمننا الغذائي من منظور ادارتنا لهذه الازمات،  وهنا نطالب بمنظومة متكاملة للأمن الغذائي ، وتفعيل استراتيجية تنمية الثروة الزراعية، واعادة النظر في الاطر والمؤسسات المناط بها ملف الامن الغذائي في ضوء تلكم التحديات السياسية .

وربما علينا أن نفتح الآفاق الفكرية لمثال استدلالي آخر ، لتوضيح شمولية التحدي من المنظور الاقتصادي، وهو ، احتمالية انسحاب شركات دول هذه المحيط في من سوقنا في حالة الازمات ، حتى لا يتأثر اقتصادنا بهذه الصدمة .

والمحيط الجيوسياسي المقصود به ، يشمل كل ما يحيط بجغرافيتنا العمانية ، من جغرافيات مجاورة أو ملاصقة ، وأخرى مجاورة الجوار العماني ، والطرق البحرية والجوية المرتبطة بها ، هل وصلت رسالتنا العاجلة من خلال مقالين متاليين ؟ تابعون في الثالث .الذي سيكون حول ادارتنا الداخلية للمخاطر الجيوسياسية المقبلة ، والمخاطر تختلف عن الازمات ، وهى الان بين التوقع والافتراض ، وسنستدعيها لدواعي الادارة المسبقة .

شاهد أيضاً

إدلال منصة عُمانية تعليمية تقدّم لك دورات تدريبيّة مميزة تعرّف عليها

أثير- سيف المعولي قال الأديب الإنجليزي صمويل جونسون: المعرفة نوعان: أن تعرف الموضوع أو أن …

اترك رداً