الإثنين , 25 سبتمبر 2017 1:49 م
الرئيسية / أبجد / محاولة لكتابة جديدة

محاولة لكتابة جديدة

محمد الهادي الجزيري

ما أصدق من قال: ” لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم ي شعرا أو يضع كتابا، صرت أكلّم نفسي بصوت عال في كلّ مكان تقريبا وفي مكتبي خاصة، وأردّد بالرغم منّي نتفا من خطب جوفاء ومقولات خرقاء، لجبابرة قدامى ومعاصرين ومجانين انتحلوا صفات الفيلسوف والمفكّر والمصلح الاجتماعي….، قبل أيّام فاجأتني زوجتي واقفا بحذائي على كرسي المكتب وممتشقا لمسطرة وقلم، زاعقا في وجه السقف: “إنّي أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها”، ذهلت المسكينة وانسحبت دون أن تنبس بحرف واحد، ولم تدخل مكتبي من يومها… 

دعيت يوم الجمعة الفارط، للمشاركة في أمسية شعرية بإحدى دور الثقافة القريبة من بيتي، فلبّيت الدعوة، وسررت بلقاء العديد من الأدباء والشعراء وباقة من الأساتذة الأجلاّء، ولكنّي لست أدري، كيف تحوّلت إلى ذلك المسخ ما إن تمّت دعوتي للقراءة، لم أكتف بقراءة ما تيسّر من شعري،… قرأت قصيدة قصيرة أولى ، ثمّ لست أدري كيف ولماذا  تجرّأت على رجم الحاضرين بدرس شنيع في التاريخ، أفرغت عليهم سيل الدم من هابيل إلى محمد جمال الدرّة، ونعتّ صديقي المنشّط الجاهل بالجاهل، حين همّ بمقاطعتي، ولم أحفل بتململ السادة إطارات الجهة، ولا بانسحاب أغلبية الجمهور

أمسيت مثل من تعرفهم من الكتّاب المنتفخين كبالونات العيد والمناطيد، كلّ حسب ضخامة أناه، بل فقتهم غرورا وتبجّحا، ولا أجد الآن حرجا في التأكيد لك أنّ همّتي متعلّقة بما وراء القصيدة الحلم، أقسم لك أنّ شعوري بالزهو والفخر لا يقاوم، كلّما شرّعت بوّابة ذاكرتي وطفقت أوزّع على الأشباه والرعاع مخزوناتي المعرفية التي لا تنفد، قصد إفحامهم وإذلالهم إلى أن يستصغروا أنفسهم…، ما جلس إليّ قريب أو غريب، وما مرّ بي صدفة جار أو صديق قديم أو عابر سبيل يسألني عن عنوان ما، إلاّ وجلدته بالثقافة والمعرفة، لم أفوّت فرصة لتلاوة ما أحفظه من شعر غزير، وسرد سير الأولين والآخرين، ورواية الملاحم بالتفصيل مع التوضيح والتعليق من حين إلى حين، صرت أحوّل وجهة أيّ موضوع يُطرح في حضرتي، وأجعل من الحبّة قبّة أو هضبة حسب مازوشية ضحيّتي وسعة صدرها ..، إذا 

تنهّد نديم وزفر بحصار مدينة عربية ما، وما أكثر مدننا المحاصرة، أطوّقه فورا بحصار لنينغراد وطروادة، مركّزا على إصابة أخيل في كاحله، لأنّ تلك الحادثة هي ما تبقّى في رأسي من تفاصيل الملحمة، (وهي حالة استثائية وثغرة نادرة في ذاكرتي )،ثمّ أتباكى على ما حدث للعراق وأسحب ضحيّتي إلى حضارة العراق القديمة، وأعرّفها على كلكامش وأنكيدو وإنانا وإنيل وعشتار وتموز وأدونيس: 

” حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار

ما الدم الضارب في الرمل 

وما هذا الأفول 

قل لنا يا لهب الحاضر ماذا سنقول 

مزق التاريخ في حلقي 

وعلى وجهي أمارات الضحيّة 

ما أمرّ اللغة الآن وما أضيق باب الأبجدية “

صدّقني صديقي لقد كتبت هذه الأسطر التابعة للأسف لأدونيس، من ذاكرتي مباشرة ولم أعد إلى كتاب أو دفتر أو ما  شابه ذلك، ..على كلّ، من المستحيل أن أترك ضحيّتي تفلت من يديّ، قبل أن أحشرها في حصار بني هاشم وأقرأ عليها نصّ الصحيفة،..وأسترسل قاطرة سريعة لا محطّة لها، أجرّ ضحيّتي من غزوة الأحزاب والخندق، إلى سقوط القلاع والمدن والعواصم في أيدي المغامرين الشجعان، أشهى من الثمار الناضجة ، ولا بدّ أن أستشهد ببيت المتنبي الشاعر الوحيد الذي أعتبره ندّا لي :

” الظلم من شيم النفوس فإن تجد 

                        ذا عـــفّـــة فـــلــــعـــلّــــة لا يظــــلــــم “

شاهد أيضاً

ثمّة أشياء صغيرة تحدث: “أشياء غريبة تحدث ويعجز المرء عن شرحها”

محمد الهادي الجزيري     هذه مجموعة قصصية للأديب المغربي عبد الحميد الغرباوي ..، تربطني …

اترك رداً