الثلاثاء , 22 أغسطس 2017 4:49 م
الرئيسية / أبجد / عبد الرحيم حسن حمزة يكتب: حَديقةٌ خَلفِيَّةٌ

عبد الرحيم حسن حمزة يكتب: حَديقةٌ خَلفِيَّةٌ

بقلم:عبد الرحيم حسن حمزة

في أولِ أيامِ الفصلِ الدراسي, كان التلاميذُ بانتظارِ مدرِّسِهم الجديد..يقولون محنكٌ جداً..قادمٌ إليهم من المدرسةِ المنافسةِ على بُعد شارعين فرعيين لا أكثر..أمَّا هذه المدرسة، فلم يدَّخرْ مالكُها ما في وسعِهِ كي يجعلَ منها صرحاً عملاقاً..شيدها على أحدثِ التصميمات المعمارية منفقاً دولارات الغربة المريرة حين التمس في الأمر سلعةً رابحة..يتململ التلاميذ في انتظارهم المدرسَ لكن مشهداً عبر النافذة يشدهم دون غيره..كانت هناك حديقةٌ صغير ة تقومُ عليها سلالات من الزهور النادرة وقد استقدمَ بعضُها من الخارج..هناك، كان الرجل ينحني على زهرةٍ بنفسجيةٍ في عنفوانها تتوسط الحديقة..ينحني كأنه جزءٌ من المكان، كأنه مُوحِي “رودين” في تمثاله المفكر،سبابته على صُدغِهِ، وفراشةٌ لم تزل تمتصُ الرحيق..يراقب عناق الفراش والزهر، لا يريد إفساد لحظةٍ حلوة..وعندما انتهى الفراش من المهمة, انحنى على الزهرة أكثر وقبَّلها كالقديسِ..قال لنفسه:(القديسُ أغوته الفاتنةُ عن المحراب..ثم ترهْبَنَتْ من بعده..أما أنا………)..استفاق على صوتِ المدير ينتزعُه من عالمه:

– التلاميذُ بانتظارِك يا سيدي..ضاعتْ عشرُ دقائق..

قال لنفسه:(لم يضِع شيءٌ بعد)..ولم ينس أن يخلعَ حذاءه..أَجَلْ..حذاءه..اتجه على أطراف أصابعه إلى حجرةِ الدراسة,كمن لا يريد أن يوقظَ طفلاً مريضاً على مهدِهِ..لم يكترثْ من النظرات المتعجبة..وعندما وجد نفسه حافياً داخل الحجرة,نهضَ إليه التلاميذ إجلالاً فحياهم وقال هادئاً:

– أشقى الناسِ من تتسربُ لحظات كهذه كالماء من بين أصابعِه..كنتُ مع الجَمال وأعرفُ أنكم كنتم معي..لقد بدأ الدرس فعلياً منذُ عشرِ دقائق..

أشار إليهم بالجلوس ثم اتجه إلى لوحِ السبورة ليكتبَ عنواناً..لكنَّه عادَ ليقول:

– تصطكُ أسناني من الصقيع فلا أهتم..أما أن يصطكَّ حذائي بفعل هذه الأرضية المصنوعة فهذا ضجيجٌ لا يحتمِلُه سيلُ أفكاري..

استقبل السبورة..شعرُه منكوشٌ رغم أن هندامَه لا بأس به..كتبَ بخطٍ أنيقٍ واضحٍ :

” المادة والجزيئات”..ارتفعتْ نبرةُ صوتِه قليلاً حين قال:

– تعلمون ماذا كان يعملُ الفَرَاش.. والناس يتحدثون هذه الأيام عن منجزات “النانوتكنولوجي”..هي تفعلُ الأفاعيل بيد أنها ببساطةٍ لا تُلقحُ هذه الزهرات..

نظر إلى الحديقةِ من خلال النافذة..ازدردَ ريقَه ثم أضاف:

– تنظرون من خلال النافذة فتظهر أمامكم الحديقة..هذا أمر سهلٌ للغاية ..يجب أن تعلموا أنَّ وراء كلِّ مشهدٍ خرِبٍ حديقةً خلفيةً لا تُرى بالعين المجردة..التضادُ يُخصِبُ مذاقَ الحياة مثلما يَخرجُ اللبن من بين فرْثٍ ودم..نحنُ إن لم نسقطْ في وَحلِ الخطيئةِ ما هبطْنا إلى الأرضِ لنكتشفَ حديقةَ الآخرة..الآن إن قلتُ لكم: تحتَ هذه الحجرة منجمُ ذهبٍ..ماذا أنتم فاعلون؟..

صاح التلاميذ بصوتٍ واحدٍ:

– نهدمُ الحجرةَ..

– هذا ما يفعلُهُ عامةُ الناس..الرجلُ الصالحُ وحدَه من بَنى جداراً غيرَ مدفوعِ الأجرِ كي يُخفي ذهبَ اليتامى إلى حينٍ..مع ذلك، نحن لن نهدمَ شيئاً..ما رأيكم أن ندعَ الحجرةَ وشأنها وننتقلَ إلى الحديقةِ, نكمل درسَنَا هناك..

وجدَ التلاميذُ أنفسَهم أسرى لأفكار المُدرِس..وافقوا على الفور وانتقلوا إلى الحديقة..لكنَّ ثائرةَ المدير كانت قد ثارت ووصفَ عامِلَهُ بالجنون..طالبه بالاستقالة في أول يوم له بالمدرسة..التلاميذ رفضوا..تمسكوا بمدرِّسِهم الذي أحبوه من أول نظرةٍ..لم يجد المدير بداً من الإذعان للأمرِ الواقع, فجميعهم أبناء ذواتٍ يدفعون للمدرسةِ أموالاً مقدرة..سارت الأمورُ على هذا المنوال أسابيعَ عِدة..الحديقةُ صارت مكاناً لتلقي الدرس..لكنَّ المدير كان يدَّخِرُ مفاجأة مُحْكمة..بعضُ المقربين منه أوحوا بها إليه..وفي إحدى الصباحات, صارتِ الحديقةُ خاويةً على عروشها..انتُزِعتْ كلُّ البُسط الخضراء و حلَّتْ بالمكان حفرةٌ تمتد إلى أمتار داخل الأرض..وقال المديرُ منتفخَ الأوداج:

– نريدُ أن نتوسعَ في سياسة التعليم..سنبني على المكانِ طابقين أو أكثر..سنستوعبُ أكبر عدد ممكنٍ من التلاميذ لنجابه غلاء الأسعار..

هذه المرة, تقدم المدرِّسُ باستقالته حزيناً واختفى عن أنظار من يعرفونه..انصرف لامتهان إحدى المهن الهامشية..وفي العام نفسِهِ , لم ينجح أحدٌ من التلاميذ في أداء الامتحان..تشردوا جميعاً وتقطعتْ بهم الأسباب إلا تلميذاً واحداً..قال التلميذ:

– لم أيأس..اقتفيتُ أثر المدرسِ حتى تحصلتُ على منزلِهِ المتواضع..بعد كدٍ ولأيٍ شديدين, تمكنتُ من إقناعِه بإعطائي دروساً خصوصيةً..كان يأتي إلى منزلِنا الفسيح, تستوقفه حديقةُ الفاكهة التي تقبُعُ خلف نافذة حجرتي..يحصِي عددَ أشجار الليمونِ والبرتقالِ والمانجو يومياً على نحوٍ رتيب, ويتوقفُ عند نخلةٍ وحيدةٍ سامقةٍ وسط هذه الأشجار ثم يعطيني الدرسَ وينصرفُ لحالِ سبيله..لكنَّه في المرةِ الأخيرة, حزِن حزناً شديداً إذ وَجدَ أبي قد اقتلعَ النخلةَ من جذورها ليقيم حوضاً للسباحة مكانها..انفعل المدرسُ وقال:(قتلتم النخلة بدمٍ باردٍ؟..اقتلعتم عمَّتَنا من أصولها؟..ألم تعلموا أنها من طينةِ أبينا؟)..قال هذا..واختفى عن الأنظار مرةً أخرى.

شاهد أيضاً

لكم كاميرا ولي حواسّي

محمد الهادي الجزيري أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم ..تنتمون إلى الإنسانية فمرحى …. أنا مهووس بالسفر …

اترك رداً