قارة من العشق أو ما لم يقُله جبران في لُقيا النور

محمد الهادي الجزيري

كنّا صغارا وكان العالم حقل تجارب لنا ..، عرفته في نادي الشعر باتّحاد الكتاب وبدأت علاقتنا تكبر على مدى السنوات ..، إلى أن صادفته في الإذاعة الثقافية في برنامج تكريمي لي ولفئة من عشاق الشعر وكان واحدا منهم…

ما يزال هادئا كما كان..يقرأ الشعر كأنّه يقوله أوّل مرّة ..، يستمع إلى الحديث بآذان صاغية ويمعن في الصمت حتّى يحين دوره ..، أنبل ما يشدّني إلى الطيب شلبي نزعته إلى التأملّ والرصانة والحكمة..، وقد أهداني مجموعته الشعرية ” قارّة من العشق ” خلال هذا اللقاء الذي جمعني به وثلّة من الأصدقاء…

يكتب الشاعر قصيدة النثر منذ عرفته وما يزال موغلا في شعابها مؤمنا بأنّها قدره ولكن أغرب ما يشدّني إليه انفتاحه على الأشكال الشعرية المغايرة، فلم أسمعه مرّة واحدة يشكّك في قصيدة عمودية أو قصيدة تفعيلة، ينصت لمن يقرأ ، يبدي إعجابه بما أراد ..ثمّ يقرأ نصّه ويمضي….لا علاقة له بأمر يتصارع عليه الإخوة الشعراء ..له الشعر ولهم الوهم…

قسّم الشاعر متنه إلى خمسة عناوين هي كالتالي:

عاشق ومعشوق بحقّ

أوراق اللوز

إنسان من جهة القلب

الحقول المرحة

رأيت الأكوان تتصارع تبكي أكثر من أخَيتها.

ورغم جماليّة العناوين المختارة فإن النصّ الشعري واحد وموحّد ..، يجد القارئ نفسه مجبورا على ختم المجموعة الشعرية كاملة ..ليفهم ماذا يريد الطيب شلبي، إنّه يريد أن يفنى في العشق وليس له طريق آخر غير الشعر…

” لم تتمّ الحكاية، لم تكتمل كلّها وقد صار المغنّي

مجرّد شبح :

لا يُرى في ليل أو في نهار

صار أكبر من الأغنية حين يشرع الصمت في أبديته

إنّي صغير على هذا الغناء..”

يعترف الشاعر بخيبته وعجزه عن إتمام الحكاية، فالحروف صالحة لذكر الموجودات في حين أنه يكتب نفسه وحنينه إلى القطب الأكبر..، إنّه يومأ إليه ولا يشير..، سيشفى حين ينام في سرير التراب ويرسب عميقا في كينونة لطالما حلم بها وهفا إليها….

” إنّ البحار دموع المحاربين 

إنّ الأصداف زوارق منتحية

إنّ الحصى زرابيّ 

إنّ العشق محض التقاء 

ائتلاف أغصان 

المحبّة في عرجون قديم “

في لغة الطيب شلبي ثمّة إشارات صوفية، وكلّما يمتدّ به العمر يزداد قربا من الوله والهيام، وليس حبّا لكائن زائل بل تيتّم بمن ” هُوَ هُوَ ” المبدع كلّ شيء ..، لذا تزخر لغته بأسماء العشاق القدامى لا غرار ابن عربي وجبران وجلال الدين الرومي..، وتضيء داخل نصّه مدن كانت منارات للعلم والوجد مثل دمشق والقيروان وقرطبة ..فكم يتّسع له الحلم وكم تضيق الورقة.

” من أمام شباك دارنا 

سيخرج النعش الذي تسقيه البرية

بأوراق اللوزِ

والعنب الوحشي

وألسنة الطيرِ

وسيقول سلاما لمن أودع روحه

لأجل أن تسكن أعماق الإنسان “

هذه لمسة حبّ وودّ أخصّ بها صديقا وشاعرا ..قليل الثرثرة كثير الصمت والتأمّل ..عسى أن تجمعنا قصيدة تحتفي بالإنسان

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً