Advertisements

الصمت مأدبة معان ووليمة كلام لنافلة ذهب

محمد الهادي الجزيري

 

يقول عنها الأديب الكبير عزّ الدين المدني بعد أن جرّب الحياة وخبر الناس ” نافلة ذهب كاتبة إلى حدّ الأذنين والعينين فلا ينبغي للقارئ أن يترقّب منها أن تتناول النساء دون الرجال، وأن تتحيّز لأولئك على هؤلاء، ذلك عمل ايدولوجي قد ينال من قيمة النصوص،بل هي تشمل الأطفال والشبان والكهول والشيوخ،نساء ورجالا، دون تمييز ولا تحيّز سواء كانوا في المدن أو في القرى الفلاحيّة أو في الخارج ، بلاد الله الواسعة “، وعن هذه المرأة المناضلة في مهنة المتاعب..ولا أقصد غير الأدب ، سيكون حديثنا بتعلّة مجموعتها القصصية التي بين أيدينا اليوم ” الصمت “…..

تحتوي المجموعة على أربع عشرة قصة ، وتضمّ كذلك نصّان نقديان لكلّ من الأستاذة اعتدال عثمان والدكتورة فاطمة الأخضر إضافة للدراسة النقدية الأولى لعزّ الدين المدني التي سهّلنا به هذا النصّ وافتتحنا هذه القراءة العاشقة لنصوص متوهجة توّاقة لعالم أفضل بكثير لما عليه الآن من حروب وفقر وظلم …

تبدأ المجموعة بالرقص في ” سمعت عن موت الجازية “، رقص في إثر رمز أنثوي كانت وما زالت له دلالة كبيرة في وعينا الجماعي، رقص بالكلمات والمعاني وشلالات دموع..، ثمّ تفتح القلب للبوح ..فتظهر ” سليمة والرصاصة ” فتنطلق الحكاية

” عندما علمت سليمة بموته، ضحكت ضحكة مجنونة تشبه النواح وارتفعت أناملها إلى القلادة التي تتوسطها الرصاصة المغلفة بالذهب، فجرحت بها بشرة العنق البضّ…”

يسافر الفتى في إثر وهم قاتل إلى ألمانيا ..فيكبر الحلم وتتنوع الهواجس وتنغلق الحكاية على ” مات هو، وعاشت سليمة مبتورة اليدين “، نهاية محتومة لكذبة كبرى يعيش أبناؤنا في ظلّها حتّى تذوب كثلوج الغرب ….

يتواصل القصّ في ” حديث حول الصمت ” فيتوارث السكوت والرغبة في الهدوء الابن

” ذلك أنّ أخي اتّخذ مقعد أبي المفضّل قرب النافذة وكنّا كلّما دخلنا الشقّة عند الغروب وجدناه تتصّفح الجرائد ..”

وهكذا تصف لنا نافلة ذهب الحياة ” في صمت ” ومع إيماءة تشير إلى سلطة الأب ثمّ الأخ على النساء ..كنّ أمّا أو أخوات ..في حدود السقف الذي يأويان إليه ..وتلك مسألة هامة جدّا للمجتمع التونسي حارب سلطة الرجل الظالمة وفاز…

في قصّة أخرى وهي ” الخبر ” ميل واضح إلى رغبة ملحّة في المعلومة الصادقة من قبل المواطن العربي ورفضه للتعتيم الإعلامي ..فالحدث الذي وقع هامّ ولكن الجرائد العربية لا توليه اهتمام ..أمّا الصحف الأجنبية فتهتمّ به وتعطيه ما يستحقّ …

أمّا في قصة ” نهج القاهرة ” فتعود بنا إلى فترة الجامعة وما اعتراها من خوف وردع واعتداد بالنفس..، أيّام الرعب حين يظنّ الطالب أنّ المقبوض عليه بقدر ما يشبهه هو ذاته، أيّ أنّ تأثير القمع وصل إلى أعماق النفس …وتختتم القصة :

” هذا الشاب أعرفه ، إنّني أعرف وجهه وصوته، إنّني أعرف خوفه…ما الذي حدث بالضبط ؟ لا أدري ، كلّ ما أعرف أنّني أشعر بالخوف، وهذا المساء الفارغ يحاصرني… وانطلق ابتلعه المنعطف .”

وتواصل القاصة نافلة ذهب عرض الحياة علينا من جهات كثيرة ، فنصوصها لا تعني أنّها عاشت جملة الأحداث الواردة فيها فهي ذات عمق إنسانيّ بعيدة كلّ البعد عن الحياة الخاصة لسيدة القصّ التونسي منذ قرابة الأربعين سنة،وقد ورد في دراسة الدكتورة فاطمة الأخضر تثمين لهذه التجربة السردية ومنها :

” رأينا في الصمت تحوّلات المجتمع التونسي والعربيّ، تابعنا خفايا النفوس وأقنعة الزّيف والعقول، سمعنا البكاء والعويل والعواء والأنّات واللّهاث والنحيب والهمس الضّحك…، أصواتا مجهورة وأخرى مهموسة ، سمعنا الطرق العنيف ووقع الأقدام ، فإذا نحن في صمت يبين عن واقع متأزم بالمظالم والموت انقلبت فيه الأحلام إلى كوابيس …”

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً