لكم كاميرا ولي حواسّي

محمد الهادي الجزيري

أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم ..تنتمون إلى الإنسانية فمرحى ….

أنا مهووس بالسفر والاكتشاف والتوغّل في المجهول ..وأنتم تقاسمونني هذا الشغف المذهل، فاستعدّوا لأخذي معكم حيث توجّهتم ..إلى الغابات والبحار والجبال والصحاري ..لن أكون ثقيلا عليكم ولا خائفا ولا متردّدا ..سيروا فإنّي وبكلّ حواسي معكم ..لم أقل جسدي فأنا أتعافى تدريجيّا من مرض ألمّ به ، غير أنّي جاهز للانطلاق معكم …هيّا إلى الرحلة والمغامرة والكشف:

خذوني إلى طريق الموت في الجبال الشاهقة ، لأطلّ بعينين جاحظتين على الفراغ المرعب وأرافق النسوة المناضلات في طريق وعرة طيلة خمس ساعات، قصد جلب الحشائش التي لا حياة بدونها للبهائم ..وأرى كيف تعيش القرية المنعزلة بعيدا عن الحضارة والأمراض المستعصية ..يبلغ مستوى الأعمار في القرية مائة سنة ونيف …

خذوني إلى باخرة سياحية تنتقل بين الجزر المتناثرة، وتغافلوا عليّ قرب قصيدة سمراء أو شقراء، سأحبّها وأحبّ من يحبّها ..ثمّ أعلق أخرى وأخرى..فالشاعر لا يحبّ سوى الأبدية والخلود في المحبّة…

وأنتَ يا الطبّاخ الماهر إلى أين تتوغّل بي داخل المجهول، الأكلات كثيرة ولذيذة ومتنوعة، وأنا محتار بينها حقيقة لا مجازا، مقتف أثرك …بل راكض خلفك في مطاعم العالم، وأنت تتذوّق من كلّ شيء، وتمرّ إلى غيره باحثا عن سرّ الطعم وبهاء التوابل، ما هذا الطبق الذي تخرج به من فرن وتهرول نحو مجموعة من الصيادين ، تصل فتضع الطبق على طاولة فيتحلّق بك الصيادون ويكتشفون الأكلة الشهية، سمك مطبوخ على الطريقة اللبنانية ..، وأنا مستلق على الكنبة أحدّث نفسي : ” سآكل هذا الطبق حين أحطّ بلبنان ….

وأنتِ من تكونين أيتها الفتاة المغامرة، ترتدين زيّا رياضيا مخصّصا لراكبي الدراجات وتمتطين ” بساط الريح ” تسابقين هبوب نفسك إلى اكتشاف العالم ..، ما هي وجهتك القادمة، سيري فإنّي مسافر معك..، سنرى الدنيا من فوق درّاجتك تركض كأجمل ما يكون، سنرى نساء ينسجن ويصنعن لباسا للأطفال..، ونرقب رجالا يحرثون ويصرخون لتشجيع الثيران كلّما تعبت من شدّة العمل المضني..، وحين يسدل الليل ظلامه علينا سنلجأ إلى إخوة في الانسانية طلبا للأمن والدفء ..فنبيت عندهم ونفطر فطور الصباح حليبا طازجا منّت به البقرة قبل أن ترعى العشب ….

أنتما الشبيهان بالضوء والنسيم ..، ماذا تريدان مني ؟، وعن أيّ شيء تبحثان؟، تجلسان إلى البوذي والهندوسي وعابد أجداده وتكلّمان اليهوديّ والمسيحيّ والإسلاميّ بكلّ أريحية ورحابة صدر وأخوّة ..كأنّكم تمثلان الحياد ..، بل ماذا تفعلان الآن :

تصوّران رجلا يقرأ نصوصا مقدّسة ويلقّن صغارا فحواها .. ثمّ تواصلان الرحلة …تلقّنان الآخر الانفتاح والتعايش والسلام ..”.

أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم … خذوني لأنسى الأنا المحدّقة في مرآتها ..وأشارك الناس في كلّ مكان مشاغلهم : أحزانهم وأفراحهم وما يأملون وما يخافون ..، لأصير إنسانا جاهزا لعناق الحياة مهما وكيفما كانت …يكفي أنّها الحياة

مقالات ذات صلة

اترك رداً