Advertisements

المكرم د.إسماعيل الأغبري يكتب: تغليب الأوطان على القوميات

أثير – المكرم د.إسماعيل الأغبري

يموج العالم الإسلامي بأجناس مختلفة وأعراق متباينة وقوميات متعددة، بل قد يوجد في الدولة الواحدة أكثر من قومية غير متداخلة ولا تذوب في القوميات الأخرى في ذات الدولة.

في هذا العالم عدة قوميات، العربية والفارسية والتركية والكردية والأمازيغية وغيرها، ولعل ذلك يتجلى في العراق ودول شمال أفريقيا ولا يخفى التنافس الهادئ بين قوميات الفرس والترك.

الجامع بين هذه القوميات كثير، الأرض خاصة إن كانت في دولة واحدة والتاريخ، المشترك والثقافة بالإضافة إلى الدين، وهذا لا ينفي وجود خصوصيات لكل قومية.

كان الإسلام هو الجامع لكل الأجناس والأعراق والقوميات، وظهر التلاحم أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ تمت تقوية الأواصر بمبدأ المؤخاة وكان ذلك عمليا بعيدا عن التنظيرات، فصار أبوبكر الصديق العربي أخا لسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي.

كما أن الوصايا في ثنايا الكتاب العزيز التي تدعو إلى احترام الجنس البشري أي كان، وتحريم امتهانه أو احتقاره أو التعالي عليه تعمق رابطة القوميات، بل تساعد على نسيانها فضلا عن التنافس بينها.

وجود الكم الكثير من الدعوة إلى المساواة والنهي عن التفضيل على أسس اللون أو العرق أو القومية كفيل بتجفيف أو التقليل من غلواء المفاخرة بين القوميات.

دعوة الإسلام إلى نشر بساط العدل وتوسيع مفهوم المشاورة والأخذ بالصائب من الأقوال، بغض النظر عن قائله عامل قوي في دمج القوميات وترسيخ أمن أبناء الدول.

مشاركة أبناء مختلف القوميات بعد اعتناق الإسلام في عهد النبي في البناء والتعمير والتعليم والدعوة إلى الإسلام جعل الجميع يشعر أنه واحد مؤتلف لا مختلف.

تقديم المصلحة العلياء على المصلحة الشخصية وتقديم سلامة السفينة التي تحمل الكل على مصلحة الجزء كان حاضرا بين أبناء القوميات.

مشاركة أبناء القوميات في القرارات العسكرية والسياسية والعلمية في عهد النبي ساهم بتعميق الوحدة.

للأسف اختلف المشهد وتلك الألوان الوردية باتت غامقة وضبابية، إذ لم يستمر المشهد الوردي طويلا، فقد تغير الوضع في العهد الأموي وعلت لغة القومية مع إقصاء ممنهج لقوميات أخرى مما ولد ردات فعل ونشأ صراع كان دفينا.

لم تكتف الدولة الأموية بخلق ذلك الصراع القومي بل عمدت أيضا إلى إذكاء الصراع بين العرب أنفسهم، فكانت تشجع على المماحكات بين العدنانية والقحطانية من خلال التمييز في مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية.

في عهد الدولة العباسية انقلب الوضع، فتمكنت القوميات الأخرى بالهيمنة على كافة مفاصل الدولة وصار الخليفة شكلا خليفة وهو ينتمي لقومية، ولكن السلطة الفعلية كانت بيد قوميات أخرى.

في عهد الدولة العثمانية التي استمرت حوالي ستة قرون وبسطت نفودها على أقطار كثيرة ذات قوميات مختلفة، إلا أنها مارست تمييزا وعلا شأن العنصر العثماني علوا كبيرا.

في الخمسيات والستينات بل والأربعينات شهد الخطاب القومي علوا وتحول إلى عداء وعدوان رغم جوامع الوطن الواحد والتاريخ والمصير المشترك ورغم الدين الواحد.

لا ننسى ضياع فلسطين كان بعض أسبابه نعرات قومية عربية تركية وكل منها تعصب على الأخرى وكل منها أخطأ في حق الآخر.

عانى الأمازيغ أيضا من التهميش رغم أنهم مواطنون أصليون مما ولد حساسية بين قوميتي العرب والأمازيغ.

في بلاد الرافدين كانت هناك أخطاء كثيرة وكبيرة سياسية، مما أدى إلى تنافر بين أجناس الدولة الواحدة، أي أن القائمين على شأن الدولة كانوا سببا في حدوث شرخ مجتمعي حتى بلغ بساسة قومية من القوميات تفضيل إسرائيل على البقاء في إطار الوطن الأم.

القوميات للأسف عامل تدمير للمجتمعات ولا بأس من الانتماء لقومية ما، لكن البأس هو التعصب للقومية فذلك يدمر الدول ويذهب بريحها.

للأسف القومية العربية باركت قتل العرب في شرق أفريقيا، والقومية العربية أكلت بعضها في حربي الخليج الأولى والثانية، فقد كانت زعامات القومية العربية في الشام من أكثر الزعامات الراغبة في إسقاط زعامات القومية العربية في بلاد الرافدين.

القومية العربية تهاوت حينما غزت الكويت غزوا غاشما وأيدتها بقية زعامات القوميات.

بسبب القوميات نشأت الصراعات والقوميات، أي التعصب لها خنجر مسموم وتؤدي إلى هدم الأوطان وتخريب الدول لأن ذلك يعني شرعنة الصراعات الداخلية.

ينبغي تغليب الانتماء الوطني وتغليب الدولة على القومية، ويجب إلتفاف الناس مع الدولة والوطن وليس مع القوميات.

العالم العربي يموج بالقوميات، فلو كل قومية صارعت الأخرى أو سعت إلى إقصائها فإن ذلك ينذر بمزيد من التشتت.

الوطن يجب أن يكون هو المركز وهو المحور وهو المفخرة، أما القوميات فتلك مرحلة طويت أو ينبغي أن تطوى في العالم الإسلامي.

إن بناء الأوطان يقتضي وحدة أبناء الوطن الواحد، وينبغي استغلال القوميات في العالم الإسلامي في تقوية المشتركات والصلات لا البحث عن المكدرات والمنغصات.

ما أجمل أن يلتفت القوميون في كل مكان إلى قاعدة (الناس صنفان مؤمن تقي أو فاجر شقي).

جميل جدا الالتفات إلى قاعدة (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتفاخرها بالأنساب) ومبدأ (الناس سواسية كأسنان المشط).

الأوطان الأوطان وليعش فيها الناس آمنين مطمئنين.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً