د.عبدالله باحجاج يكتب: الدولة التي نريدها في الخليج

أثير- د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج

بعد أكثر من اربعة عقود على النظام السياسي الراهن لدول مجلس التعاون الخليجي ، بدأ يطرح النقاش حول مفهوم جديد للدولة في الخليج ، لكن من منظور الثنائية المتعارضة المتمثلة هنا في الاسلام والعلمانية ، مع ترجيح الخيار الاخير كمسار جديد يتم تأسيسه خلال عشر السنوات المقبلة ، مما اثار ردود فعل صارخة لدى الرأي العام الخليجي ، خاصة عندما تم ربطه بأزمة الاشقاء الخليجيين ، مختصرا الصراع حول الاطار الفلسفي للدولة الخليجية الجديدة .

ورغم ردود الفعل ، الا أنها لم تنفذ الى عمق المشكلة ، ولم تحللها من منظور ما يجب أن تكون عليه الان الدولة الخليجية ، وانما غرقت في جدلية الثنائية المتعارضة ، واللافت في ردود الفعل ، غياب دور النخب الخليجية المثقفة المستقلة في هذا الجدال ، وتركت لردود فعل الرأي العام تغرق في الاختيار السياسي الجديد دون أن يكون لها خيارها المقابل .

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
وهى ان الافكار السياسية ومنتوجاتها تظل صناعة فوقية ، أي بمعزل عن النخب الخليجية المثقفة التي يفترض أن تكون المحرك الدافع أو الضاغط للتطور والاصلاح السياسي في الخليج ، على غرار ما هو سائد تاريخيا في العالم ، باستثناء محاولات خجولة ، ورغم ذلك كانت بمعزل عن قاعدتها الشعبية .

 

وهذا يعني أن السلطة السياسية في الخليج قد نجحت بامتياز في تأخير فاعلية وفعالية النخب المثقفة في إحداث التحول ، بسبب مجموعة سياسات، ليست موضوعنا الان ، ورغم ذلك ، فإن الحديث عن تغيير مفهوم الدولة في الخليج ، وفرضه على جغرافيات سياسية اقليمية ، و دون مراعاة المفاهيم الحاكمة للسلطة السياسية ، تدعو هذه النخب الى الاسراع في الادلاء برأيها حول مستقبل مفهوم الدولة في الخليج ، على اعتبار انه ينبغي أن يخرج من رحم جلسات العصف الذهني ، ومن التوافقات وليس من منظور الاكراهات السلطوية أو فرض ارادات الدول .

 

وكان يفترض أن تطرح قضية التطور / الاصلاح السياسي بعد اندلاع الازمة النفطية في منتصف عام 2014، للأسباب التي سيأتي ذكرها لاحقا ، غير أن هذا لم يحدث الا بعد مرور شهر من انفجار ازمة الاشقاء في العاشر من رمضان المبارك الاخير ، حيث تفاجأنا بمفهوم العلمانية كبديل للخيار الاسلامي ، رغم أن الحاجة الفعلية للإصلاح السياسي ، كانت تستدعي حتميتها الازمة النفطية ، أي من الحاجة الفعلية الحتمية في سياقاتها الطبيعية وليس من منظور الاطارات الفلسفية التي وراءها الظرفيات السياسية .

 

وستكون اجابتنا عن تساؤل العنوان المركزي مرتبطة بالسياقات العملية وليس التنظيرات رغم اهميتها ، لإيماننا بالحساسية السياسية للتنظيرات خاصة تلك النماذج المطروحة في الساحة الان ، لأن استهدافاتنا هنا اقناع العقل السياسي بالحتمية الفعلية لماهية الاصلاح السياسي الظرفي الملح الذي هو اصلا لصالح النظام السياسي في الخليج ، وهو ما نراه الان طوعيا وغدا اكراها تحت ضغط عوامل داخلية اجتماعية وليست سياسية ، قد يتقاطع مع الخارج .

• ادارة الجدال السياسي .. وتصويبه .

علنيا هنا ان نتساءل بكل موضوعية ، ايهما تفرضه السياقات الحتمية في الخليج: تحديد الاطار الفلسفي لمفهوم الدولة الخليجية أم التعاطي مع دورها الجديد في عصر الضرائب أو يشكلان معا – المفهوم والدور _ ضرورتين متزامنتين ؟ .

واذا افترضنا التزامن ، فهل البنية الاجتماعية الخليجية ، مؤهلة الآن الانتقال لمفهوم العلمانية ، خاصة وأنه يطرح الان كبديل للمفهوم الاسلامي ؟ والتساؤل نفسه يطرح كذلك إذا استدعينا المفاهيم الحاكمة للسلطة في الخليج ، والتي تتصدرها ، توريث السلطة والقبيلة وعدم تحرر عقلية الشعوب الخليجية من حقبة الدولة الريعية ؟

ولسنا سلبيين في تأملنا في طرح تغيير مفهوم الدولة الخليجية من منظور تلك الثنائية المتعارضة ، بل نعده إيجابيا ، لماذا ؟ لأنه يكسر حدة جمود المبادرات السياسية والنخبوية من جهة ويفتح النقاش للاصلاح السياسي للدولة الخليجية كصيرورة زمنية متناغمة مع التطورات السياسية وليس قفزا فوقها من جهة ثانية .

من هنا ، فالأمانة تقتضي منا مناقشة الوضع السياسي في الخليج ضمن السياقات الطبيعية والمقبولة في ظرفيتها الراهنة ، ليس تجاهلها أو تقديم صورة ملونة للوضع نفسه .

فما هي طبيعة السياقات السياسية الراهنة ؟ ومن ثم ما هي الماهيات السياسية التي تفرض نفسها على التطور أو الاصلاح السياسي الحتمي الان ؟

• جدلية الدور والمفهوم .. في السياقات السياسية .

يأخذ هذا الجدال أساسه من منظور الاولويات للدولة الخليجية في ظرفيتها الراهنة ، وبالتالي ، فإن أي قفز فوق سلم الاولويات سيأتي بنتائج عكسية ، وهنا نضع الدعوة الى تغيير مفهوم الدولة في الخليج كردة فعل على ظرفيات سياسية طارئة وليست دائمة ، ويبدو لنا ، انه تنظير اتاتوركي يراد نسخه داخل البيئات الخليجية ، لذلك ، فهو فوق كل المفاهيم الحاكمة للسلطة السياسية في الخليج .

فمثلا ، فهو فوق مفهوم توريث السلطة السياسية ، وفوق مفهوم القبيلة ، وفوق مفهوم الدولة الريعية ، وفوق مفهوم العامل الثيولوجي ( الديني ) للسلطة السياسية في الخليج ، والتي تحاول كسب شرعيتها منه .

وبذلك يمكن توصيفه ، بانه خارج سياقاته السياسية والاجتماعية شكلا وجوهرا ، وخارج سياقه الزمني ، ويصادر في الوقت نفسه ، التطور الذي يفرض نفسه على النظام السياسي الخليجي الآن بالذات ، وبإلحاح شديد ، وهو تغيير دور الدولة بسبب الازمة النفطية ، فمنذ بداية السبعينيات ، اعتمدت الدولة الخليجية مفهوم الدولة الريعية ، وتمكنت من خلاله من صناعة التنمية وكسب مجتمعاتها، باقل جهد .

والدولة الريعية كما تعرفه الكتب الاكاديمية ، هو مصطلح في العلوم السياسية والعلاقات الدولية يشير إلى الدولة التي تستمد كل أو جزء كبير من إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية للخارج ، وبالذات النفط والغاز، ولكنه يمكن أن يشمل دولاً غنية بالأدوات المالية مثل العملة الاحتياطية. والدول التي تعتمد على الموارد الاستراتيجية، مثل القواعد العسكرية.

وهذه موارد لا تعتمد فيه الدولة الريعية على جهد كبير للحصول على الاموال ، وإنما جهد قليل ، وتقوم بإنفاقه على مشاريعها التنموية وعلى المجتمع كيفما تشاء ، وباقل جهد مقابل ، مما انتجت مجتمعات خليجية بعقليات ريعية ، لا تزال حتى الان تعتمد على حكوماتها أن تفعل لها كل شيء ، الاهم هنا ، أن الدولة الريعية الخليجية لم توظف عوائدها النفطية في صناعة قطاع انتاجي مهم ، وانما بالغت في الاعتماد على قطاع النفط والغاز .

 

لم تغير الازمات النفطية التي انفجرت قبل ازمة عام 2014 ، العقلية الريعية ، الى ان جاءت الازمة النفطية الراهنة ، واجبرت الدولة الخليجية على الانتقال – فعليا وليس سياسيا – الى دولة الضرائب ، وستدخل المجتمعات الخليجية عام المقبل 2018 ، في معمعة الانتقال الفعلي ،، المؤثر،، بفرض ضريبتي القيمة المضافة والانتقائية ، مما قد نشهد بداية مرحلة جديدة في علاقة السلطة السياسية بمجتمعاتها .

 

وماذا يعني ذلك ؟
يعني أن الشعوب الخليجية قد بدأت تسهم من مرتباتها الشهرية في خزينة الدولة عن طريق الضرائب والرسوم المتعددة الانواع والاشكال ، وكذلك رفع الدعم عن خدمات كثيرة ، ويعني أن مستقبل التنمية في الخليج ستتوقف على مدى إسهام المواطنين في مالية الدولة ، وهنا الفارق الجوهري بين دور الدولة الخليجية ، في نسخته القديمة ،، الريعي ،، ودورها الجديد في نسخته الجديدة ،، الضرائب ،، .

 

من هذا التحول الاستراتيجي ، ينبغي أن يكون التطور / الاصلاح السياسي ، سواء من حيث مفهوم الدولة أو دورها ، تناغما وانسجاما بين الواقع الثابت للمجتمعات الخليجية وبين المستجدات التي تطرأ عليه ، بعيدا عن اية تنظيرات سياسية أو ايديولوجية .

إذا ، ومن خلال تلكم التحولات الكبرى على دور الدولة الخليجية ، ماذا يستوجب من تطورات واصلاحات سياسية طبيعية وتلقائية ، كحتمية لمواجهة تداعيات التحول التاريخي الراهن في دور الدولة الخليجي ، من دور ريعي الى دور جبائي ؟

 

• مستقبل العلاقة بين السلطتين السياسية والاجتماعية .
من رحم تلكم التحولات في بنية دور الدولة الخليجية ، نطرح هنا التساؤلين التاليين :
س : هل ينبغي أن تظل الحكومات الخليجية محتكرة المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي مثلما كانت في الدولة الريعية أم يتوجب عليها اشراك مجتمعاتها في اتخاذ القرارات في دولة الجبايات ؟
س: كيف ينبغي أن تتم الشراكة بين الحكومات والمجتمعات الطبيعية والتلقائية ؟
تسحب التطورات الاقتصادية من الحكومات الخليجية دورها المطلق في الحياة السياسية والاقتصادية ، باتجاه الانفتاح نحو الشراكة مع المجتمع في اتخاذ القرار ، وهناك تباين واضح في هذه الشراكة بين الدول الست ، ومهما يكن سابقا ـ فمن المؤكد أن السياسة المالية والضريبية لم تعد مهمة حكومية بامتياز ، بل ينبغي ان تسهم المجتمعات في رسمها وفي السهر على حسن تطبيقها عبر ممثليها الذين يخرجون من صناديق الاقتراع .
ففي مرحلة الدولة الريعية لم تكن عملية انتاج مثل تلك السياسات تثير الشأن المجتمعي ، وإنما كان الهاجس في تطبيقاتها ، وحتى هذه الاخيرة لم تكن لها تداعيات مجتمعية في الحقبة الريعية ، لأن الاموال التي بأقل جهد من النفط والغاز ، تنفق بسرعة ، وتصرف بسهولة ، ومتوفرة للسلطة السياسية ، على عكس دولة الجبايات التي يكون جل همها اقتطاع الاموال من جيوب المواطنين من اجل تغطية عجز الموازنات السنوية.

 

إذا ، هل ينبغي أن تظل صناعة السياسات المالية والضريبية حكرا على الحكومات ؟ يطرح التساؤل كبرى الاكراهات التي ستواجه الدولة الخليجية خلال المدى المنظور ، وهو غير مدرك سياسيا ، وسيكون تداعياته على المجتمعات الخليجية ملموسة خلال السنتين المقبلتين .

 

كما أن دولة الجباية ، لن تكون قادرة في هذه الحالة على الاستمرارية في الدفع الخاص للافراد او الجماعات مثلما كانت في الدولة الريعية ، مما سنشهد انتهاء العلاقة بين السلطة السياسية ونخبها المختلفة التي شكلت شرعيتها الاجتماعية والقائمة على اساس الاحتواء .

 

• الدولة الخليجية .. المجمع عليها .

تؤدي بنا تلك السياقات الفعلية للتطور التاريخي للدولة في الخليج ، الى الانتقال الى دولة المؤسسات والقانون التي يحكمها الدستور ، ويحدد الحقوق والواجبات ، وصلاحيات السلطات، واستقلالها ، وتدول السلطة ، في ظل كيانها السياسي العام ، ومنظومتها الاجتماعية .

وهناك فعلا دول خليجية قد قطعت اشواطا كبيرة في تأسيس هذه الدولة ، مثل السلطنة ، لكنها ورغم ذلك ، تحتاج الى تفعيل هذا المسار كحتمية طبيعية في تطور دور الدولة من ريعي الى جبائي ، وفق ما أوضحناه سابقا .

لكن بالنسبة للعديد من الدول الخليجية الاخرى ، هل تم تأسيس دولة بالمفهوم العصري حتى يمكن الحديث الان عن تغير الاطار الفلسفي لهذه الدولة ؟ ومن ثم فإن الحديث الان عن فصل الدين عن السياسة أو عن الدولة ، سيكون عبثا بالفوضى المقبلة ، او استعجالا بها ، في ظل ما اوضحناه من تحول تاريخي يشهده دور الدولة الخليجية .

فالظرفية السياسية الراهنة وافاقها المستقبلية تحتم تأسيس دولة المؤسسات والقانون عند البعض ، وتفعيل هذه الدولة عند البعض الاخر ، كاستجابة ارادية طبيعية قبل أن تكون ولادتها نتيجة اكراه داخلي بتقاطعات دولية ، فالمنطقة في صيرورة زمنية شاملة تمس الكيان البنيوي ، فلا بد من الرهان على دولة المؤسسات والقانون ،، الفعلية ،، وجعلها حاكمية لعلاقات السلطات من جهة والسلطات والمجتمعات من جهة ثانية أما الاستمرار في الوضع الراهن ، فهو فعليا قد اصبح متجاوزا ، ولن يعد ملائما للمرحلة السياسية المقبلة – وفق ما اوضحناه في تحليلنا المعمق .

مقالات ذات صلة

اترك رداً