الدبلوماسية العمانية وتأثيرها بين الأمس واليوم

أثير – تاريخ عمان
إعداد: نصر البوسعيدي

 

يُعدّ الخليج العربي بفضل ثرواته وموقعه المتحكم بمنابع النفط في المنطقة العربية من أهم الأماكن الجغرافية التي تحاول الدول الكبرى النيل من مقدراتها والتحكم في ثرواتها من خلال شركات الامتياز والفرص الاستثمارية الضخمة للتنقيب عن النفط والغاز وغيرها من ثروات ربانية، وفتح سوق رائج لبضائعهم المختلفة لا سيما تجارة السلاح التي وصلت ذروتها في الفترة الأخيرة مع تأزم المواقف السياسية في دول المنطقة اتجاه بعضها كأزمة الخلاف الرباعي مع دولة قطر وحرب اليمن والخلاف مع إيران التي دخلت سابقا في حرب طاحنة مباشرة مع الحكومة العراقية إبان حكم الرئيس الراحل صدام حسين والتي تسببت بخسائر فادحة في الأنفس وانتكاسة اقتصادية كبيرة نتيجة مليارات الدولارات التي صرفت لجحيم هذه الحرب المستعرة في المنطقة بين البلدين مع وجود في الضفة الأخرى الخلافات الحدودية بين دول الخليج وعدم وضوح الرؤية الكاملة بالنسبة لمنظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربي الذي تأسس في عام 1981م لمحاولة إرساء روح التعاون بين دول المجلس مع احترام سيادة وسياسات كل دولة مثلما شددت السلطنة على ذلك منذ البدايات. وما أشبه الأمس بالبارحة في ثبات موقف عمان وسياستها مع الجميع.

لقد كانت عمان ومنذ بداية عصر النهضة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم تمشي بخطوات ثابتة نحو ترسيخ مبدأ السلام ومحاولة تغليب لغة الحوار حول أي إشكالية تطرأ اتجاه عمان أو دول العالم والمنطقة بشكل خاص في ذروة التأزم السياسي، فمواقف جلالته الذي أرسى منذ البداية منهجية الدبلوماسية العمانية تعكس ثبات مواقف السلطنة اتجاه دول العالم والمنطقة بأسرها بالتزام سياسة عدم التدخل في شؤون الغير واحترام مبادئ الجيرة مع كل الدول دون استثناء والعمل بشكل جاد على إرساء السلام والتعايش والمحبة بين الجميع والعمل بصمت وهدوء بعيدا عن ضوضاء الإعلام وقذارة المن على الشعوب مهما وصلت ذروة الخلافات السياسية التي تحاول عمان قدر المستطاع البعد عنها والنأي عن المشاركة في سفك الدماء بما أن مبدأ الحوار والسلام هو أساس السياسات العريضة التي تسير من خلالها عمان منذ بداية النهضة بكل قوة مثلما أرادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله سلطان عمان الذي كان واضحا وجليا من خلال كل مواقفه وتصريحاته ونظرته المستقبلية التي تعبر عن الدور الذي تضطلع به عمان في المنطقة خاصة وقت الأزمات والتحديات لخير شاهد ودليل على ثبات الرؤية والحكمة التي يسيّر بها عمان وعلاقتها الخارجية مع جميع دول العالم، وهنا سنعرض لكم من خلال إصدار صحيفة أثير لكتاب “صحفيون في بلاط صاحب الجلالة” مقتطفات من النطق السامي لبعض الصحف العربية والأوروبية والتي ستعكس لكل القراء بأن السياسة لدى جلالته لا تتفق تماما مع أي مراهقة سياسية أو نعرات أو تعصب مهلكة للشعوب ولا تزيدها إلا شتاتا وبغضا وكراهية..
لقد قال جلالته مثلا لصحيفة الدستور الأردنية في عام 1973م مبينا لهم سياسة عمان الخارجية كالتالي:
” إننا ننتهج سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لجيراننا ونحرص دائما على دعم علاقاتنا مع البلاد العربية وإقامة صداقة مع بلاد العالم الأخر”

وبالنسبة لحرص الدبلوماسية العمانية لحفظ أمن المنطقة بسياستها الداعمة للغة الحوار والبعد عن النعرات قال جلالته لصحيفة المصور المصرية في عام 1973م:
” لا ريب أننا إذا حققنا الأمن في المنطقة وتعاونا جميعا في هذا السبيل فأننا نكون بذلك قد أمنا أنفسنا ضد أي خطر خارجي، ولا ريب كذلك أن في الاتحاد قوة وإذا أمكن تحقيقه فإنه سيكون الدرع الواقي للمنطقة، كما أنه سيدحض كل دعوى تقوم على أساس ضعف هذه الإمارات أو عجزها عن حفظ الأمن فيها بما يجعلها غير قادرة على الحفاظ على مصالح الآخرين فيها وبذلك تتاح الفرصة لمن يتدخلون في شؤون هذه المنطقة بهذه الحجج “

ومنذ السبعينات وجلالته يدعو إلى إرساء روح الوحدة الخليجية بمضمونها الحقيقي النابع أولا من السلوك العام لكل حكومات دول الخليج للسير بها نحو الطريق السليم، حيث صرح لمجلة درع الوطن الظبيانية في عام 1973م في هذا الصدد بقوله:
” الوحدة لا تأتي عفوية، يجب أن ننظر إلى الأمور نظرة واقعية، فلا بد أن نحدد أولا أهداف الوحدة المطلوبة، ثم نحدد أساليب الوصول إليها، فهناك أولا الوحدة الاقتصادية، ثم الوحدة السياسية وإذا استطعنا أن نحقق وحدتنا في المجالات المتعددة لسلوكنا لأصبحنا أمام واقع يحتم علينا وحدة لا انفصام لها”.

وبالنسبة لقضية الأحلاف والتكتلات السلبية التي لا تؤدي إلا لهدم أواصر المحبة بين الدول والشعوب كالحادث الآن في الأزمة الخليجية قال جلالته منذ عام 1974م لجريدة السياسة اللبنانية:
” نحن ضد الأحلاف أو التكتلات مهما كان نوعها ولكننا لسنا ضد المساعدات وعلاقتنا بجميع الدول العربية حسنة، وسنسعى إلى المزيد من التضامن والاتحاد بيننا وبين إخوتنا العرب على ساحل الخليج لأننا نعتبر أنفسنا وحدة كاملة فالمستقبل كفيل بوضع اللمسات الأخيرة لأي نوع من الوحدة والاتحاد، والوحدة هي جميع العرب ولا بد أن تتحقق في المستقبل ولكن علينا أن نرسي الأساس السياسي والاقتصادي والثقافي أولا”.

وقال جلالته لجريدة عمان في عام 1974م:
” عمان تحبذ الحياد وعدم الارتماء في أحضان المعسكرين (المعسكر المدعوم من الولايات المتحدة ودول أوروبا والمعسكر الثاني المدعوم من المعسكر الشيوعي)، ولكن لكل واحد أصدقاء “.

وقال كذلك في هذا الشأن لمراسل مجلة (تايم) في الشرق الأوسط عام 1979م:
إن السلطنة لا تنحاز إلى أي جهة في العالم العربي وأن أية حكومة تتخذ أية خطوة توافق عليها السلطنة فإنها ستقول ذلك بكل صراحة”.

وأما بالنسبة لموقف عمان من قضايا الشرق الأوسط وعلاقة السلطنة مع المملكة العربية السعودية وإيران فقد قال جلالته لصحيفة اوستادو ساو باولو البرازيلية في عام 1977م:
” إن سياسة عمان تقوم على مد يد الصداقة لكل من يصادقنا، ونحن نلتزم بالقيام بدورنا كاملا في العمل من أجل السلام والتعاون الدولي وإننا لفخورون بانتسابنا للعائلة العربية وبالروابط الأخوية الوثيقة التي تشدنا، وعلاقتنا مع السعودية وإيران تقوم على الصداقة القوية والاحترام المتبادل “.

إن عمان بسياستها الثابتة التي أرسى دعائمها جلالة الوالد السلطان كانت أهدافها الأساسية منصبة تماما لحفظ أمن المنطقة وسلام شعوبها، وقد قال جلالته لصحيفة كوريري ديلاسيرا الإيطالية في عام 1978م في هذا الصدد:
” لا يمكن الحفاظ على الأمن الشامل والحرية لجميع شعوب منطقة الخليج إلا عن طريق التعاون الوثيق بين دول المنطقة وإذا لم يعترف العالم الحر بهذه الحقيقة فإن هناك احتمالا بأن تقع الموارد الرئيسية للبترول تحت سيطرة قوى معادية”.

وقال كذلك لمجلة الوطن العربي (باريس) في عام 1981م:
” إن أمن الخليج يمكن تحقيقه عن طريق إبعاد المنطقة برمتها من الصراعات الدولية وانتهاج سيادة الحياد الإيجابي “.

من ناحية أخرى أكد جلالته منذ البدايات بأن سياسة عمان ودبلوماسيتها وطموحها هي إرساء السلام في المنطقة وهذا ما قاله جلالته لمجلة المستقبل (باريس) في عام 1983 م:
” إن طموحات عمان السياسية في المنطقة هي المحافظة دائما على التوازن في جميع السياسات وأن تحد من التطرف في أي اتجاه وهذا هو الدور الذي تسعى إليه السلطنة دائما وتطمح أن تنجح فيه، فطموحات عمان على الساحة الدولية هي المساهمة بتواضع في كل ما فيه صلاح هذا العالم”.

ولأن الخليج من ناحية أخرى عرضة لعدم الاستقرار وقت الأزمات وخاصة مدخل الخليج الذي يبدأ من مضيق هرمز الاستراتيجي والذي يمر عبر ممر حيوي بين عمان وإيران ثم دول الخليج العربي، فإن نظرة جلالته كانت منطقية جدا بدعوة الجميع إلى استثمار موقع عمان الإستراتيجي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي وهو الموقع الذي يعد كالباب الكبير الذي يغذي الخليج أجمعه إن حدث أي إشكال بين الدول، فعمان لا تغلق أبوابها بوجه أحد لا سيما ونحن نرى ذلك ماثلا اليوم في أزمة قطر التي وجدت من عمان كل الدعم خاصة بما يتعلق بالموانئ والمطارات، وإن عدنا لنفس اللقاء الصحفي لمجلة المستقبل بباريس قال جلالته مخاطبا كل دول المنطقة مشيرا إلى أهمية عمان بالنسبة للجميع:

“أهمية عمان الاستراتيجية كبيرة، فهي تشكل عمقا استراتيجيا لدول الجزيرة العربية وبالتالي عمقا أمنيا وعسكريا لكل دول المنطقة، ورغم ذلك فإن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يستثمر ذلك حتى الآن، ولم يستغل الموانئ العمانية بديلا عن مضيق هرمز”.

ونحن نستبصر السياسة العمانية وتاريخها منذ عهد النهضة وحتى اليوم سنجدها واقعية وموضوعية وراسخة المبادئ وواضحة ولننظر مثلا هنا لتصريح جلالته لمجلة المصور (المصرية) في عام 1985م حينما قال:
” أقول هنا في مسقط لا نظن أنه مما يفيد أمن الخليج أن تشعر إيران بأننا بصدد إنشاء حلف عسكري عربي يناصبها العداء إلى الأبد أو إننا بصدد تشكيل قوة مشتركة هدفها الحرب مع إيران لأنني كما قلت سابقا هم موجودون ونحن موجودون ولا بديل عن التعايش السلمي بين الفرس والعرب ولا بديل عن قدر من التوافق في مصالح المنطقة ككل”.

وأضاف جلالته لذات الصحيفة وهو يتأسف على حال العرب وانقسامهم نتيجة تسابقهم لزعامة العالم العربي وفرض سياساتهم:
” أظن لو استوعبنا فكرة الأدوار المتكاملة بدلا من الزعامة أو فكرة الدور القائد لوجدت كل دولة عربية الصيغة المعقولة للتضامن والتنسيق المشترك، لماذا لا نقول دعونا نكمل بعضنا البعض بدلا من أن تتشتت جهودنا وراء هذا الغير صحيح وهو زعامة العالم العربي، لقد كانت نتيجة ذلك مزيدا من الانقسام والاستقطاب والفرقة وضياع المسؤولية القومية فأزمة الأمة العربية تنبع من داخلها بأكثر من ان تكون مفروضة عليها”.

وصرح كذلك عن حال الأمة العربية في صحيفة الأهرام المصرية ووكالة أنباء الشرق الأوسط (المصرية) محذرا من أصحاب الفتنة في عام 1988م :
” إن المشكلة ليست في القادة أو كبار المسؤولين في الدول العربية، ولكنها تكمن في الحقيقة في المحللين والمنظرين والعقائديين الذين يرفعون تقاريرهم وتوصياتهم إلى الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين العرب، انهم هم المشكلة الحقيقية وهم الذين يقفون وراء تفاقم الخلافات، كما أن بعضهم يضع الشكوك في أفكار رؤسائهم ويرفعون التقارير ويضعون الخلفيات التي تمثل أحيانا آراءهم وعقائدهم الشخصية، لذا في رأيي أن هؤلاء المعاونين عليهم أن يجتمعوا سويا للتفاهم والمصارحة دون قيود لتطوير فكرة التوفيق بين الأشقاء واستخدام كافة الوسائل لتحقيق التضامن العربي بدلا من تفريق الأمة وتمزيقها”.

وهكذا هي عمان دوما بسلطانها منبر سلام ومنبر حوار صدق لا تغلب فيه إلا لغة العقل في حل الأزمات والدعوة إلى إفشاء السلام بين الجميع لمصلحة الشعوب أولا والاستقرار في المنطقة.
لذا فالتاريخ يسجل هنا بهذا القدر الذي نكتفي به كأقرب شاهد لتلك السياسة الحكيمة التي خطط لها جلالة السلطان لعمان منذ بداية حكمه المليء بالتسامح وحتى يومنا هذا لنرى ثمار كل ذلك جليا ونعايشه على أرض الواقع والحمد الله، حتى أصبحت السلطنة مضربا في المثل للقيم العليا والمبادئ والتعايش والسلام، وأصبح جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم فعلا وتاريخيا رجل السلام الأول في عالمنا العربي بالعصر الحديث الذي تفجرت فيه الكثير من الأزمات والفتن الطائفية والحروب.

المرجع: صحفيون في بلاط صاحب الجلالة 1971 – 2011م، ناصر أبو عون، الطبعة الأولى 2015، مؤسسة السبلة للحلول الرقمية – أثير – مسقط – سلطنة عمان، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع -الأردن

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock