ستحتاج ماء للقصيدة كلّها أو رماد الماء لسالم الشرفي

محمد الهادي الجزيري

صدرت للشاعر سالم الشرفي عن بيت الشعر التونسي مجموعة شعرية تحت عنوان: رماد الماء ضمّت أربعين قصيدة موزّعة على بياض 120 صفحة، وهي قصائد تنتمي إلى عمود الشعر والتفعيلة ..، ويسرّنا دعوة القرّاء إلى التوغّل فيها وتمعّن ما ورد فيها من صور ومعان وأفكار..، خاصة إذا كان الشاعر حييّ في الحياة..قليل الكلام كثير الصمت….

أوّل ما يشدّنا في اعتراف الشاعر تذمّره من الوحدة وكثرة آلامها، وكثير ما صنع لنفسه مأوى داخل القصيدة ..كي لا يقال تاب عن صنع الكلام ورتق المعاني المهترئة وخلق الصور المنبثقة من ألم العزلة وما أدراك ما هي:

” يا للْعزلة ..تتركني للثلج وحيدا

مثل غراب أعمى

محتفلا بالماء وبالموتى

كم يجرحني هذا الصمتُ

آهٍ..كم أنسى…

كم يقتلني هذا المنفى”

حقيقة وليس مجازا كم يقتلنا هذا المنفى، ولكننا نحرص على الموت فيه، فذاك قدرنا المحتوم وليس للشعراء إلاّ الخوض فيه كما قال محمود درويش:

” أقول: سأقطع هذا الطريق الطويل إلى آخري..وإلى آخره”

نعم علينا أن نمشي ونجدّف ونحلّق قصد الوصول ولا وصول، إنّه الهبوب المتواصل والبحث عن الذات والآخر في غياهب النصّ أو القصيدة ..تلك التي نحبّها ونخشى انفلاتها من بين أيدينا ومن حواسنا المستنفرة…..

” ستحتاج أعشابا لترسم نجمة

معلّقة في الحلم تحمل سرّها

ستحتاج ضوءا يكنس الليل…غرفة

بحجم الرؤى ..تسري لتوقظ فجرها

ستحتاج ماء للقصيدة كلّها

ذوت وردة في الروح تسكب عطرها “

هكذا يدلي سالم الشرفي بكلّ اعترافاته من الألف إلى الياء..، واهما إيّانا أنّ الأمر لا يهمّه ، خاصة حين يستعمل ضمير المخاطب وما هو إلاّ المخاطب عينه، سيحتاج ماء للقصيدة كلّها بحرائقها وفتنتها كي تقول الشعر وليس هذرا لا طائل منه ..، يواصل الشاعر البحث عن الكلام الذي لم يقل ..قد يخيب أحيانا لكنّه يصيب في حالات أخرى ..مثلا يقول :

” أحتاج أجنحة..

لتستريح الأرض من وقع خُطاي

ولتنسى أناملي نصب الفخاخ لإخوتي العصافير

صوتي الأحمر…

لكنني سأحاول الغناء

أسمّي العشّ ذاكرتي

والأفق مملكتي

والريح…نايا حزينا

والأرض تلك الأرض تبدو من فوق

قفصا للموتى “

نعم سيحاول الغناء رغم أنّ أنامله نصبت عديد الفخاخ والحيل للعصافير..إخوته في الرغبة في التحليق والعلوّ..، سيغنّي بكلّ ما في القلب والروح من طاقة وشغف، فما هو إلاّ مخلوق كي يؤدّي دورا ما موكول إليه…أليس قدره أن يعلي صوته بالغناء فما دام الإنسان على وجه هذا الكوكب المذهول ..سيكون من واجبنا التخفيف عنه وكتابة ما يحلم به ..أليس الشعر سلاحنا الأخير ضدّ الغبار المنتشر في كلّ مكان…

هذا هو الشاعر المؤمن بنفسه وبموهبته ..، يمضي إلى حتفه وصمته ونهايته بعزيمة وإيمان فلا شيء سيبقى إلاّ النصّ ..وما النصّ سوى ذاته لذا يطلب من الرياح أن تنقل ما قاله من شعر ومجاز واستعارة إلى الناس..، لينتهي غرسا في حقول الحبّ ويغدو شوقا أزليّا:

” لست وحدي يا رياحي

فاطلقي كلّ خيولي

واحملي أحجار صمتي

وازرعيني في حُقول العشق

شوقا أزليّا “

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق