محمد الهادي الجزيري يكتب: الآن أمسِ وغدا

محمد الهادي الجزيري

الآن أفتح عينيّ جيدا لأرى العالم ..

الآن أقول الحياة وأعيشها دفعة واحدة…

الآن يخرج الصارخ من المتألم معلنا بداية الحياة ، وترضع الأمّ مولودها في حين تخرج السمكة من النهر عالقة بصنارة فتى فرح بصيده الأول

الآن يذهب الآباء للعمل وتعدّ الأمّهات فطور البيت ..ويقصد الأبناء المدارس والكليات والكلّ يؤمن أنّه مركز الأرض وشاغل العالم ..وأنا أراقب المشهد من مكاني ..وأحاول أن أكتب قصيدة تقول كلّ هذا وأكثر…

الآن يستفيق العمال وينهض التجار ليعرضوا أحلامهم على الناس ..، هذا يريد قوتا ليومه والآخر يريد مالا ينتج مالا ولا يتعب من الحلم ..، الكلّ يتوهّم النجاح ولن ينجح إلا التقاة الذين لا يعبدون ما نعبد….

الآن يقف عشاق الكرة صفّا صفّا ملهوفين لدخول الملعب ويهرول رعاة خلف شياه منفلتة ساخطين من كثرة العمل وقلّة الأمل..

الآن يفتح عينيه في الماء فيرى عالم الماء: حيتان تأكل حيتان ، فيصعد ليهرب من واقع مرّ فيرى أناسا تتاجر ببعضها البعض ..ولا يفتح عينيه مجدّدا حتّى الموت أو الجنون..

الآن يصعد القطار ملايين الركاب متذمرين من ضجّة الركاب ..وينزل إلى أعماق البحر محظوظ في زيّ الغوص باحثا عن حطام سفينة كانت لها في ما مضى جولات ..قبل أن تعصف بها مغامرة ربانها….

الآن يثب الأسد على الغزالة فتخضع لقدرها وتسلّم عنقها لأنيابه ..في حين يجلس الثعلب والخنزير والعقاب متابعين للمشهد ، الكلّ يمنّي النفس والبطن والغريزة بلقمة يتركها الأسد بعد شبع..، إنّه يأكل فلندعه لوليمته وننظر إلى شيء آخر…

الآن تشرق الشمس ويغشى الليل كما يفعلان من قبل ..فينهض النساك للصلاة والدعاء ويطرب المجانين في أماكن مشبوهة… ويقصد العاديون إلى أسرّتهم ليحلموا بغد أفضل ..أمّا من كان مثلي فيدوّن ما يرى …

الآن أمس وغدا …يتوافد المهنّئون فرادى وزرافات وينطلقون في التكلّف والتظاهر والتجمّل ..يمدحون العرسان ويتمنون لهم السعادة والبنين ثمّ يشربون ويأكلون ويرقصون حتّى مطلع الفجر..في حين يبدأ المعزّون في القدوم إلى بيت الراحل معدّدين خصاله ..ثمّ يصلّون عليه صلاة الجنازة وهم على عجلة من أمرهم…يضعونه في حفرة ما ..ويقدّمون التعازي لأبنائه وأعمامه وأخواله ..إلخ، ثمّ يتقابل في اليوم الموالي المهنّئون والمعزّون في عرس آخر..أو مأتم آخر..وتستمرّ لعبة الحياة…

الآن يشتدّ جوعي للحياة فليتني التهم الحاء فقط ..لأشبع منها…

الآن أختتم المقالة رغم هذا الحرّ وأرقب شخصا مثلي ينحت تمثالا من الثلج في الشمال البارد ….

********************************

” شعر قديم “

الآنَ…. الآنْ

الآنَ أرى

لكنّي لا أجد الأفعال ولا الأسماءْ

………………………………..

ما أتفه ما يكتبه الشعراءْ.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق