بدر العبري يكتب: التّفسير الإنسانيّ لـ: الم

بدر العبري- كاتب عمانيبدر العبري- كاتب عماني

 

حدث في القديم جدل كبير بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة المتكلمين في التّعامل مع مفاتيح السّور، ومنها بطبيعة الحال: الم، وكعادتنا لا نريد تكرار الكلام هنا، فهو مناقش بإسهاب في كتب التّفسير، ومن أوائل من ناقش آراء المدرستين الرّازيّ ت 604-606هـ في تفسيره، وانتصر لمدرسة المتكلمين، والمتأخرون عالة عليه.

كما أنّ الطّاهر ابن عاشور ت 1393هـ/ 1973م في التّحرير والتّنوير  تتبع الخلاف ووجده يصل إلى مائة قول، إلا أنّ مسائله في الجملة لا تتعدى العشرين مسألة من حيث الجامع العام بين هذه الأقوال، ولخص كلام ابنَ عاشور الخليليُّ [معاصر] في جواهر التّفسير، وناقش العديد من المسائل.

 

وكتب التّفسير عموما في هذه المسألة تدور بين:

– فريق يتجنب مناقشتها أصلا، كما فعل السّيوطيّ ت 911هـ في تفسير الجلالين حيث قال: الله أعلم بمراده بذلك، وكما قال الإمام محمد عبده ت 1905 في المنار: ويسعنا في ذلك ما وسع صحابة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – وتابعيهم، وليس من الدّين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل الّتي قلما يسلم مخترعها من الزّلل.

 

– فريق ينتصر لمدرسة أهل الحديث كما فعل بكر أبو زيد ت 1421هـ حيث قال في تفسيره: ولم يثبت في تفسيرها عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم –شيء، وكونها من المتشابه الّذي استأثر الله تعالى بعلمه أقرب إلى الصّواب، ولذا يقال فيها: الۤـمۤ: الله أعلم بمراده بذلك.- فريق ينتصر لمذهب المتكلمين، وعلى رأس هؤلاء كما أسلفنا الرّازيّ، وقد ردّ على مدرسة أهل الحديث، وممّا قاله في تفسيره: واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول.

 

– فريق مال إلى الاختصار وذكر الخلاف وهم الأغلب من أصحاب التّفسير كما فعل هود الهواريّ ت ق 3 في تفسيره، ومنهم من يشير إلى أيّ الفريقين يميل، والغالب يقتصر على ذكر بعض الخلاف.

 

– فريق يميل إلى التّوسع لغة وهم عالة على الزّمخشريّ ت 538هـ في الكشاف وأبي حيان ت 745هـ  في المحيط.وكما أسلفنا لا يهمنا كثيرا الخلاف وتكرار الحديث فيه، ولكن من المهم إدراك خريطة الخلاف، حيث الفريق الأكبر من المفسرين والمتكلمين يرى سعة تأويلها، والتّدبر فيها، والنّظر حولها، لأّنه كما يقول الرّازيّ: أنّ المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً، وأنّه لا يليق بالحكيم.

 

وهؤلاء اختلفوا في ثلاثة مذاهب:

 

المذهب الأول أنّها حروف، ثمّ اختلفوا في الحروف هل هي من حروف المعجم الثّمانية والعشرين أو هي حروف لها معاني بذاتها، أو رموز لمعانيّ، والأشهر من هذا المذاهب أنّها ذات الحروف المنزل بها القرآن، المتحدى به، فليأتوا من هذه الحروف بسورة أو آية مثله إن لم يستطيعوا بسورة فضلا أن يأتوا بمثله، وإلى هذا مال العديد من المتقدّمين والمعاصرين، ومن هؤلاء الشّعراويّ ت 1419هـ/ 1998م، إذ يذكر في تسجيل تلفزيونيّ له، مع نزول هذه الآيات لم يحفظ أحد ناقش النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – من المؤمنين بالكتاب أو الكافرين به، ممّا يدل أنّ العرب تدرك معانيها وقت الإنزال، وإلا كانت فرصة للمنكرين!!، وممّا يطمئن لهذا ذكر القرآن عادة بعدها كما في هذه السّورة، وفيه إشارة إلى إعجاز نزوله، ويرى الطّبريّ ت 310هـ أنّها كبل في الشّعر، أي علامة للدّخول في موضع آخر، وهو رأي ليس بضعيف.

 

 والمذهب الثّانيّ وهو الأكثر أنّها أسماء، والأشهر عند المتقدمين هي أسماء السّور، وهذا أيضا له قوته لأنّ الأسماء كما أسلفنا الّتي وضعت اجتهاديّة وليست توقيفيّة، وقيل أسماء القرآن، وقيل أسماء الله الحسنى، وقيل غير ذلك.والمذهب الثّالث يرى أنّها أفعال، وهو أشبه بالمذهب الشّاذ حتى أعرض عنه أكثر المفسرين. وهناك رأي عند بعض المتدبرين المعاصرين يرى أنّها كلمات سريانيّة لها معاني، فلكلّ حرف معنى، كقولهم الر بمعنى تأمل أو تبصر، على اعتبار أنّ السّريانيّة أصل اللّغات السّاميّة ومنها العربيّة، وهذا يحتاج إلى بحث ونظر.

 

وأمّا الفريق الثّاني وهو فريق المحدثين، الّذي رأى أنّها من المتشابهات الّتي لا يعلم مرادها إلا الله تعالى، واستأنسوا ببعض الآثار، يقول القرطبيّ ت 671هـ في تفسيره: وذكر أبو اللّيث السَّمَرْقَنْدِيّ [ت 373ه] عن عمر [ت 23ه] وعثمان [ت 35هـ] وابن مسعود [ت 32هـ] أنّهم قالوا: الحروف المقطّعة من المكتوم الّذي لا يُفَسَّر، وقال أبو حاتم [ت 327هـ]: لم نجد الحروف المقطّعة في القرآن إلا في أوائل السُّوَر، ولا ندري ما أراد الله جلّ وعزّ بها.وعليه من خلال هذه الخريطة نستطيع أن ندرك التّاليّ: أنّ العرب وقت نزول القرآن الكريم يدركون بفطرتهم معاني هذي الحروف، وأنّ القرآن تكوّن بها، وبعض سوره تسميت بهم، فلم يختلفوا فيها، ولم يتنازعوا حولها، حتى جاء وقت التّداخل المعرفيّ فظهرت لها التّأويلات اللّغويّة والبيانيّة، ومحاولة البحث عن مدلولات لها منطقيّة، ممّا جرّ بأهل الحديث على اعتبارها ممّا استأثر الله بعلمه، وهنا اخترعت ورويت بعض الآثار في إسناد كلّ مذهب لما يقول، ولما ظهر التّيار الباطنيّ والعرفانيّ كانت لهم نظرياتهم العرفانيّة، واستخدمت للأسف استخداما سلبيّا في وضع التّمائم والحروز، كما استخدمت في استغلال النّاس وأكل مالهم بالباطل.

 

لهذا نميل أنّها حروف تكوّن بها القرآن، وأعجز الله بها البشر أن يأتوا بمثله أو سورة منه، وهذا الإعجاز باق إلى يوم القيامة.وهذا يربطنا بتفسيرنا الإنسانيّ  لأننا نطلق من بيان ربانيّ نتربى عليه، ونهذّب به نفوسنا البشريّة، لا أن نكون أربابا نشارك الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران/ 79].

 

فانطلاقنا من ربانية الكتاب بمعجز حروفه وآياته وسوره، وأنّ هذا الكتاب جاء لخدمة الإنسان وتربيته؛ هي قاعدة مهمة في التّعامل معه وتدبره.ولهذا افتتح الله تعالى سورة البقرة بهذه الحروف لأنّ ما بعدها: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} حيث ذكر الكتاب، ولأنّ السّورة منطلق تكوينيّ مهم في بناء المجتمع المدنيّ الإنسانيّ الكبير.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً