الثلاثاء , 19 سبتمبر 2017 3:52 م
الرئيسية / أثيريات / د.رجب العويسي يكتب: لنعيد إلى ذاكرة الأجيال أنموذج التطوع الذي بدأ من المدرسة العُمانية
رجب العويسي

د.رجب العويسي يكتب: لنعيد إلى ذاكرة الأجيال أنموذج التطوع الذي بدأ من المدرسة العُمانية

الدكتور رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

تمثّل المدرسة، أنموذجا عمليا راقيا  لبناء أرضية واسعة، لمفهوم العمل التطوعي،  وخلق مدركاته الروحية والنفسية والفكرية، وفق ذائقة الشعور الجمالي بقيمته ، والحس  النفسي بما يحققه في رصيد التنمية الوطنية، فرسمت بذلك  خارطة عمل متناغمة تقرأ فلسفة العمل التطوعي في ظل ربطه بفرص الاحتياج والتوقعات بالمجتمع ، فأسست له مسارات القوة، وحددت له روافده المتعددة، وأثرت بدائله بالكثير من التجارب والنماذج المشهودة التي جعلت منها منطلق صناعة التطوع، وما حققه من أبعاد اجتماعية ، وتربوية واقتصادية وثقافية وفكرية وقيمية وأخلاقية، عززت خلاله  فرص المشترك الوطني، ومارست المدرسة دورها  الاجتماعي كمركز إشعاع للمجتمع، ومنطلق لرسم السعادة والبهجة والترويح لأبنائه، في ظل مبادئ واضحة، ومنطلقات دقيقة، استثمرت فيها كل الموارد الممكنة، والفرص التسويقية المتاحة، كالأيام الوطنية، والأيام التي لها صلة ببعض المناسبات الاجتماعية والبيئية  العربية والدولية، كيوم الشجرة، ويوم البيئة وغيرها، في تعزيز بمبادراتها ومشروعاتها التطوعية في المجتمع، وما وفرته الملتقيات الاجتماعية  والمعسكرات الشبابية المدرسية، من نمو ثقافة التطوع في المجتمع، عبر حملات النظافة العامة، ونظافة الأفلاج والشوارع والمتنزهات ، وتنفيذ مشاريع التخييم، ورصف الطرق لبعض الأماكن المتضررة  من السيول أو الأودية، أو إصلاح مسارات الأفلاج، وأماكن عبور المشاة،  وتنفيذ مشروعات إقامة بعض المتنزهات وأعمال التشجير لبعض الأماكن السياحية،  أو ما يمارس في المدارس من أنشطة ترويجية واقتصادية تطوعية  استهلاكية، تستهدف إعانة بعض الأسر  ذات الدخل المحدود، وتشجيع الأسر على  عرض منتجاتها، وما تمتلكه من الصناعات  التقليدية والمطورة التي تشتهر بها المنطقة كالفضيات والسّعفيات والجلديات والمنسوجات القطنية، كما تبرز عبر اللقاءات والاحتفاليات مواهب الطلبة وأولياء الأمور وموظفي المؤسسات الأخرى بالولاية، من رسوم  تشكيلية وقصائد شعرية وأغاني  شعبية  ومسابقات  ونماذج لقدوات بارزة في مجالات مختلفة،  أو ما يتم داخل المدرسة من أنشطة تطوعية يقوم بها الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور، من أعمال  الديكورات والأصباغ، والتشجير وإقامة البيئات الخضراء، ومواقف السيارات وغيرها.

 

لقد عززت هذه الممارسات في ظل ما اتسمت به من بساطة التنفيذ ، وتفاعل المنفذين، وتناغم رؤية العمل، والتقارب الفكري بين الأسرة والمدرسة، من قيمة العمل التطوعي، وأصلت له ثقافته  التي كانت لها أشكالها التعبيرية المتفردة، ونمطها  التربوي الابوي الذي استوعبت فيه المدرسة كل عمليات التحول في أدوات التعليم وبرامجه ومناهجه، مما شكّل رصيدا للمدرسة عزز من  تفاعل أولياء الأمور مع أنشطتها وبرامجها، ونشاط غير مسبوق  لمجالس الآباء والأمهات، في حضور الأمسيات الثقافية والتوعوية والاجتماعية وغيرها، فأسس هذا الأنموذج التعليمي، مرحلة مهمة في بناء فلسفة العمل التطوعي ، والموجهات التي اعتمدتها المدرسة في تعميق شعور الأجيال  بقيمته المضافة  في حياتهم العامة والخاصة، في ظل اقتناع الجميع وقناعتهم بمسؤولياتهم نحوه، ومسؤوليتهم في نقل هذا  السلوك التعليمي الراقي إلى بيئاتهم الاجتماعية، مما أوجد حالة من التناغم في الأهداف والمسؤوليات، والنظرة الإيجابية  الراقية التي كانت تتعاطى بها المؤسسات الأخرى بالولاية مع المدرسة، باعتبارها البيئة الامثل لتنفيذ هذه التوجهات  المجتمعية، لما تمثله المدرسة من أبعاد لوجستية واستثمارية وتوعوية  داعمة لسلوك التطوع، في ظل محددات التفرد والتناغم،  والشراكة والتعاون، والتفاعل مع الاحتياج وحدس الشعور بالتوقعات،  وتنوع البدائل واستدامة الفرص،  ومنظومة التوجيه والرقابة والمتابعة والاشراف التي  تقوم عليها إدارات المداس والمعلمين، في صناعة القدوات، وتعميق روح المسؤولية الاجتماعية.

 

وعليه فإننا  بحاجة اليوم إلى إعادة  إنتاج هذه الثقافة وتأصيلها بصورة متجددة ، وفق مستجدات التطوير الحالية، لتجد في الفرص المتوفرة للمدرسة العمانية اليوم، مقومات تعميق ثقافة العمل التطوعي وترسيخ معالمها، في تنوع أدواتها، وتطور آلياتها، وتعدد أشكالها، وتنويع مساراتها، لتعود ثقافة التطوع  بنفس القوة من الدافعية والرغبة، والشعور بذائقتها الجمالية وحسها الراقي، ونمطها الاجتماعي الذي يشارك المجتمع فيه كل محطاتها، وسمة الفرح والسرور البارزة على وجوه الطلبة وأولياء الأمور، حينما يكون حديث المدرسة عن عمل تطوعي قادم . فهل سنعيد ذكريات التطوع في ذاكرة الأجيال الحاضرة، ونقرأه لهم في صفحة المواطنة ترانيم عمل، وشموخ إنجاز.

شاهد أيضاً

البنك الدولي: صيد الأسماك في السلطنة يقترب ليصبح صناعة من الطراز العالمي

أثير- ترجمة: إيمان الحوسنية يعد صيد الأسماك ثاني أكبر مورد طبيعي للسلطنة بعد النفط، حيث …

اترك رداً