الثلاثاء , 19 سبتمبر 2017 3:52 م
الرئيسية / فضاءات / المكرم د. إسماعيل الأغبري يكتب: الحرية بين حرية التعبير ومسؤولية التعبير

المكرم د. إسماعيل الأغبري يكتب: الحرية بين حرية التعبير ومسؤولية التعبير

أثير- المكرم د.إسماعيل الأغبري

مقولة قالها الخليفة عمر بن الخطاب ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) فكل ما يقيدها حادث وكل ما يسلب الإنسان إياها طارئ

للإنسان حرية المعتقد أي لا يكره على دين بعينه ولكن يمكن أن يُدعى إليه ويعرض له ويبين له خصائصه وسماته خاصة إن لم يكن عليه من قبل فإن قبل دين الله فهو خير كثير وإن أعرض عنه دون تسفيه له ولا استفزاز لمشاعر الأمة ولا طعن في الذات الإلهية ولا قدح في رسل الله ولا عدوان على كتبه فلا يجوز إكراهه ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )

وصاحب الدين الحق يبقى على إسلامه فلا يفرط فيه ولا يساوم عليه لأنه ليس بسلعة قابلة للسوم ولكن أيضا ليس له جبر الآخرين بقوة الحديد والنار عليه ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين )

لذلك لم يحز النبي محمد صلى الله عليه وسلم رقاب مخالفيه في الدين ولم يفصل رؤوسا عن أجساد عندما تمكن من أمر المدينة تمكنا سياسيا واجتماعيا ودينيا بل وقع مع سكان المدينة غير المسلمين وثيقة تنظم تسيير أمور الدار وآليات الدفاع عنها مع ضرورة احترام الدين الجديد

دخل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكة غالبا قاهرا متمكنا منتصرا قادرا وقد جاءه القرشيون مسلمهم وغير مسلمهم طوعا وكرها لكنه لم يحز رقابا ولم يفصل رؤوسا عن أجساد

نعم أعلن عفوا عاما شاملا باعتباره رئيس الدولة وولي أمر الأمة مع دعوته الناس للدخول في دين الإسلام لكنه استثنى بعضا من العفو العام الشامل فأمر بقتل بعض وهو إجراء متبع حتى الساعة إذ قد يعلن ولي الأمر عن عفو شامل لكنه يستثني منه من ارتكب جرائر قد لا تغتفر

دخل ولي أمر الأمة آنذاك عمر بن الخطاب فلسطين وتحديدا القدس ووجد سكانها من النصارى فلم يعتد على أي منهم ولم يزهق أرواحهم ولم تكن منه مجازر كما لم تهدم كنيستا المهد والقيامة بل أضاف عمر بن الخطاب بعدا آخر وهو أنه رفض الصلاة في الكنيسة مخافة أن يأتي زمان يقول فيه المسلمون إن الكنيسة بصلاة عمر فيها تحولت فتنتزع من يد القسيسين والرهبان

حرية العقيدة مكفولة لكن بشرط احترام الدين وعدم الطعن في الكتب أو الأنبياء أو الذات الإلهية مع عدم خلخلة الدولة وعدم إثارة الشغب فيها أو التمرد عليها أو الاستعانة بعدو خارجي عليها

عرفت الدولة العُمانية عدم الإكراه ففي القرن الثالث الهجري وفي صحار تحديدا اقتتل يهوديان قتالا مرا فلما كاد أحدهما يهلك قال لا إله إلا الله فلما سمعه المسلمون قالوا انصروا أخاكم فقد صار على دينكم فلما خلصوه من قهر خصمه نفي اعتناقه الإسلام

تداول ولاة الأمر الأمر مع أهل الحل والعقد من الفقهاء فكان رأي العلامة موسى بن علي أن يشد على اليهودي الوثاق لكنه أكد على عدم قتله حدا لأنه منكر أنه أسلم ثم سأل الإمام عبد الملك بن حميد العلوي عالما عمانيا آخر وهو محمد بن محبوب الرحيلي فكان جوابه عدم قتل اليهودي حدا لأنه لم يأت بالجمل الثلاث أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به حق من عند الله

إنه تحرز عن سفك الدم وتجنب عن المسارعة إلى الحكم بالردة

وهذه دولة الإمام الصلت بن مالك الخروصي وكان لها امتداد واسع وضمت جزيرة سقطرى وفيها أكثرية مسلمة مع أقلية فاعلة نصرانية لم يتعرض لها ولي أمر عمان آنذاك ولم بمارس مسلمو عمان عليها بطشا وقهرا ما دامت لم تتعرض لدين الدولة بالسوء

للأسف الشديد يبدو أن تلك الأقلية بدأت تنسج علاقات مع بني جلدتها من الحبشة خارج نظام الدولة العمانية مما يهدد سلامة الدولة العمانية ووحدة أراضيها فأعلنت تمردا عن سلطة الدولة العمانية وقتلت الوالي وشنت هجوما على النسوة وأسرت وقتلت فهنا كان تدخل الدولة العمانية ليس حربا على تلك الأقلية بسبب اختلاف الدين أو رغبة في إكراهها على الإسلام ولكن رغبة من الدولة في الحفاظ على الدولة متماسكة وتأديبا على من نقض العهد وردعا على من تعاون واستعان بقوة خارجية وتخليصا للأسرى وإخمادا للتمرد

حرية العقيدة مكفولة لكن بشرط عدم المساس بدين الدولة أي عدم التجديف وعدم تسفيه الدين واحتقار المقدس منه لأن ذلك يؤدي إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وضياع الدولة

حرية التعبير مكفولة والإعراب عن الرأي ممكن وحق على أن يكون القصد البناء لا الهدم والرغبة في الإصلاح لا التشهير ويكون الرأي مبنيا على حقيقة وليس تخمينا

أما إن كان مجرد إشاعة تفت في عضد الدولة مع سبق إصرار وترصد فهذا لا يدخل في حرية التعبير
إذا قصد بهذا التعبير إساءة وإثارة شقاق وخلق بلبلة رغبة في إحداث فتنة وخلخلة نظام دولة فذلك تعبير هدم

إذا كان التعبير خلق إشاعة تخدم دولا متربصة شرا أو تساعد جهات لها أهداف سيئة مثلا فهذا هدم لمقدرات وليس تعبيرا

إن الإشاعة أكثر عوامل هدم الدول وهي سلاح حاد فعال تستخدمه الدول لهدم منجزات دول وقد تطلق دول تلك الشائعات فيتلقف تلك الإشاعة بعض الطيبين فيرددون ذلك لقلة الثقافة السياسية

ليس من حرية التعبير إثارة فتنة قبلية أو نعرات طائفية وليس من حرية التعبير المطالبة على سبيل الافتراض فصل جزء عن وطن وليس من حرية التعبير صيرورة الإنسان بوقا إعلاميا متقدما لهيئات مدعومة مغرضة

يمكن التعبير والنقد مباشرة بالتواصل والزيارات في المكاتب ويمكن بطرق غير مباشرة ولكن بشرط امتلاك الأدلة والأوراق الثبوتية

عالمنا العربي للأسف لا يميز كثير منه بين حرية التعبير ومسؤولية التعبير وقد أثبت الواقع أن السباب والشتائم تعلو في الصحافة والتلفزة ووسائل التواصل وإذا اختلف العرب اندلعت ألسنتهم عبر صحفهم لتعبر لكن ليس لتبني وتقرب وإنما لتحرض

ليس من حرية بلا قيد فالغرب معقل ومرتع الحريات يقيد بعض الحريات
أمريكا أم الحريات وبلاد تمثال الحرية ممنوع فيها إنشاء حزب شيوعي لأنها أم الرأسمالية فكيف تأذن بما يقوضها ?

فرنسا بلاد الحرية ولكن ليس لأحد إنكار أو التشكيك في محرقة الهلوكوست
الغرب مثال للحرية لكنه أيضا مثال للمسؤولية في الحرية فهناك أماكن ليس للإنسان أن يدخلها وبصحبة كلابه وهناك أماكن ليس للإنسان أن يمارس فيها المستهجن

رغم الحرية في الغرب في الملبس لكن ليس لأحد أن يخرج بلا ملبس بدعوى الحرية

الخلاصة ليس من حرية مطلقة بدليل القوانين التي تحكم كل دول العالم ومن ليس لها قوانين لا تعد دولة مكتملة والقانون حقيقة قيد ومعيق لكثير من الحريات ففي القوانين ما هو مسموح به وما هو ممنوع وفيه تحديد عقوبات لمن خالف فهل نلغي القوانين لأنها تحد من الحريات ?

شاهد أيضاً

عبدالله باحجاج

د.عبدالله باحجاج يكتب: الحتمية الثنائية : دولة أقوى ، ومجتمع قوي

أثير- د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج تمر بلادنا منذ منتصف عام 2014م، بتحول جوهري في دورها التاريخي …

اترك رداً