سالم الحجري يكتب: كيف يكون الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية؟

 

سالم بن حمد الحجري- باحث في العلاقات الدولية

 

 

“الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” مقولة للمفكر والأديب العربي الراحل أحمد لطفي السيد، وهي تأكيد على أن الاختلاف في الآراء ووجهات النظر هو ظاهرة صحية ونمط إيجابي للمجتمع المتحضر، وتعدد الآراء في مسألة ما إنما هو تعدد للحلول والعلاج، كما أن ذلك الاختلاف من الواجب ألا يؤدي إلى الخلاف والكراهية.

 

بشكل عام هنالك ثلاثة أنواع أو مستويات من الآراء:

الرأي المثالي وهو الذي يراه صاحبه بأنه صحيح ويحتمل أن يكون جزء منه أو كله خطأ، ويرى رأي غيره خاطئا بالمجمل أو جزءا منه، ويحتمل أن يكون صحيحا، وهذا النوع المتحضر الذي ينتج حوارا ذا فائدة.

الرأي الوسطي: وهو الذي يرى صاحبه أنه على صواب بالمجمل ورأي مخالفه خطأ بالمجمل لكنه يؤمن بالتعايش مع الاختلاف دون التعرض بالأذى أو الكراهية على الطرف الآخر.

الرأي المتطرف: وهو الذي يرى صاحبه أنه على حق ومن شايعه بالمطلق، وأن المخالف على خطأ ومن شايعه بالمطلق، ويستحق العداء والإقصاء والاتهام والتصنيف وتوجيه العنف والكراهية له، وهذا للأسف ما يسود في عالمنا العربي نتيجة لتسلط واستبداد كثير من الأنظمة السياسية واحتكار الرأي والهيمنة على الفكر والاحادية في القرار والاحكام مما أنتج أجيالا تؤمن بالخلاف لا الاختلاف وترفض الحوار وتباين وجهات النظر.

 

وبالطبع فقد سبقني الإمـام الـشافعـي عندما قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. ولذلك ومن منطلق ترسيخ ثقافة الاختلاف ليس فقط في الرأي بل أيضا في السلوك والخُلق والحريات الشخصية، ونبذ التطرف والتشدد في الرأي والتعصب لفكرة ما، أرى أن ترتقي مناهجنا التعليمية لتتضمن دروسا ومقررات في الأخلاق واختلاف الرأي والتعايش بما يحقق إيجاد جيل مؤمن بحقوق الآخرين ومتسلح بثقافة الحوار وتعدد الآراء. وهنا أُجلّ وأُقدّر بعض المبادرات الايجابية التي تسعى لتحقيق ذات الهدف مثل المناظرات التي انتشرت بين شباب مؤسسات التعليم العالي.

 

ولا شك بأن التنوع الفكري، والتعددية الثقافية، وحضارية الحوار والآراء، هو مصدر قوة وإثراء للمجتمع وللبشرية بشكل عام، ولذلك تأتي من أولويات هيئة الأمم المتحدة ولجانها المتعددة مناقشة وبحث القضايا العالمية التي تؤثر في حياة البشر وذلك بتبادل الآراء والخبرات الناجحة، ومن أمثلة ذلك قضية اللاجئين والهجرة والاتجار بالبشر والامراض المعدية كالإيدز والايبولا، وقضايا تغير المناخ. كما حققت المنظمة الدولية نجاحات عدة في مجالات الحياة المختلفة من خلال حوار الحضارات والتعايش بين الاجناس المختلفة للبشر من خلال جلسات الحوار والنقاش، وعلى المستوى السياسي كان للدبلوماسية الفاعلة نجاحات تاريخية أسهمت في تجنب البشرية لكوارث ودمار الحروب منها على سبيل المثال لا الحصر مؤتمر فيينا ١٨١٥ الذي أوقف الحرب الاوروبية، ومعاهدات وقف انتشار الاسلحة النووية منذ ١٩٦٣-٢٠٠٢، والاتفاق المبرم في مسقط بين الدول الست الكبرى وإيران حول برنامجها النووي عام ٢٠١٥ قد أسهم بشكل كبير في وقف حدة التوتر التي شهدتها المنطقة، كما أن الحوار القائم والدلوماسية النشطة تسهم بتهدئة الوضع السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حاليا.

 

بينما شهد العالم العديد من الحروب والكوارث الانسانية بسبب أحادية الرأي وانعدام التعددية والاختلاف في الآراء الأمر الذي أدى إلى انزلاق الأمم والشعوب إلى مستويات سحيقة من الوهن والضعف وبالتالي الصراع والحروب. ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية، وغياب الدبلوماسية في حرب جزر الفوكلاند بين المملكة المتحدة والأرجنتين عام ١٩٨٢ والتي حدثت نتيجة رفض الطرفين للحوار وتغليب لغة السلاح على الحوار، وكذلك مأساة احتلال دولة الكويت عام ١٩٩٠ والحرب الامريكية على كل من أفغانستان ٢٠٠١ والعراق ٢٠٠٣ حينما قال الرئيس الأمريكي جورج بوش: ” إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا” قاطعا الطريق أمام أي حوار أو نقاش. وما المرض الحديث الذي أصاب الأمة والمسمى بـ ” داعش” ببعيد حيث يرفض أتباع هذا التنظيم أي اختلاف أو تعارض مع معتقدهم وينتهجون العنف في ذلك.

 

إن مجتمعنا الذي تحاصره التحديات من كل صوب، ويتأثر بتطورات العالم من حوله، أحوج اليوم أكثر من أي وقت مضى لثقافة الحوار وقبول الآخر وتطبيق قاعدة الرأي والرأي الآخر، واعتبار ذلك عامل اثراء فكري للمجتمع، وزرع هذه الثقافة في النشئ باعتبارها حاجة ملحة وضرورية وليست ترفا، ورفض الثقافة المعلبة الجامدة التي تكرس الانغلاق ورفض التعايش والقبول للآراء المختلفة والجمود الفكري.

 يقول فولتير: ” قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أموت دفاعاً عن رأيك”

ويقول غاندي: الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء.

 

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق