د. عبدالله باحجاج يكتب: الوطن .. يا رسول الله 

أثير- د.عبدالله باحجاج

عبدالله باحجاج 

 

هل ينبغي أن نقلق على وطن نعشقه بكل حواسنا الخمس ؟ وهو عندنا أكبر من بقعة جغرافية يقطنها محتوى ديموغرافي ، هل فعلا ، قد تمكنا من التوصيف الدقيق والعميق لعلاقتنا بوطننا ؟ قد نختلف على كل شيء الا على مصير الوطن ، خاصة على أمنه واستقراره ، ومستقبله ، وبالتالي ، هل ينبغي أن نقلق على مستقبل علاقتنا بوطننا عندما يظهر فوق السطح ، من يحاول المساس بهذه العلاقة مستغلا ظروفا داخلية من صناعة ظرفياتنا المستجدة  ؟

وللاعتبارات التالية ، لن نقلق على مصير وطن علاقتنا به قلبية وعقلية ووجودية ، متوارثة من الأجداد ، ومتواصلة مع الأصلاب ، وتحكمنا فيه ثوابت مقدسة ، لن يهزها قول ولا فعل ، وإنما ستجعلنا نلتف حولها تمسكنا بها ، وإعلاء من شأنها ، لكن ، هذا لا يعني ألا نقلق ، فالقلق ظاهرة صحية في حد ذاتها ، خاصة اذا ما تقاطعت مع مستجدات داخلية وخارجية .

• وطني في وجداني .. استحضار المقدس .

 لدينا نحن العمانيين ، إحساس رفيع وأصيل  بالوطن ، متجذر في العمق التاريخي ، ومؤطر دينيا بمنظومة مستحكمة في وجدانياتنا ، مثل ، ما رواه ابن عباس ، قال رسول صلى الله عليه وسلم (ما أطيبك من بلدة واحبك إلي ، ولو لا أن قومي أخرجوني منك ، ما سكنت غيرك ).

وقال الجاحظ: “كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه”. وقال الغزالي: “والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص”.

لن نبالغ إذا ما قلنا أن وجدان كل عماني تتأصل فيه تلك المرجعيات ، وليستفتي كل واحد منا نفسه الان ، فأي واحد منا يغادر الى الخارج ، سرعان ما يشتد شوقه الى وطنه ، وعندما يصل الى مسقط ، عاصمتنا الجميلة ، يدفع به شوقه الى محافظته ، وعقبها ، سيجد نفسه فجأة في مسقط رأسه ، مشدودا لترابه وحجاره ، وهوائه ومائه ، حتى لو كان في وادٍ أو جزيرة منعزلة عن اليابسة .. إنه الوطن يارسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسبحان الله ، كيف زرع الله عز وجل حب هذا الوطن  في نفسياتنا الى الحد الذي تمنع ضمائرنا اطلاق النار على الغزلان في الاودية رغم انها كانت في متناولنا، واجهزة الرقابة الرسمية بعيدة عنا ؟

ماذا يعني ذلك ؟ 

أن الوطن أمانة على عاتق كل مواطن ، لذلك ، يجب ألا نقلق على ثوابتنا ، ولا تهزنا من يحاول المساس بها من الداخل أو الخارج ، فهذه ثوابت مقدسة ، شغلنا الشاغل يجب أن يكون تعزيز بنياتها لديمومة ومتانة حصانتها .

لذلك ، لسنا قلقين على وطننا من حيث المبدأ الثابت ، نراهن هنا على المقارنات العقلية لواقعين عشناهما في تاريخنا العماني ، الاول ، ما قبل عصر النهضة عام 1970 ، والثاني ، ما بعده ، فقد عشنا تجربة التشتت والتناحر والاقتتال ، وعدم قبول الذوات ، دفع ثمنها المجتمع غاليا ، وبالتالي ، فهي ليست محل مساومة ، ولا قضية مرحلية ، تطرح بين كل فينة وأخرى .

إذا كانت هناك صراعات ايجابية من أجل الحقوق مثلا ، ينبغي أن تكون داخل المؤسسات الدستورية والقانونية التي أنشئت من أجل تحقيق المصلحة العامة والدفاع عنها من تموقعاتها الوظيفية ، مثل ما يمارس حاليا عبر بعض صحافتنا المكتوبة والإلكترونية ، وفي إطار مؤسساتنا الدستورية كالشورى والدولة رغم مآخذنا على فاعلية الكثير من نخبها .

قد يقال ، بأن صوتها غير مسموع ، إما لإغلاق ميزة التفاعل الايجابي معها  أو بسبب ضعف صلاحيات الشورى  ، لكن ، اين ديناميكية الاداء وفاعليته سواء الفردي او الجماعي ، فخيار الشارع للمطالبة بحق العمل مثلا ، يسقط اداء الكثير من الفاعلين داخل هذه المؤسسات ، ويرجعنا الى المربع الذي يرمي الكرة في ملعب الناخبين مجددا .

• التحديات الانتقالية .. واستغلال ثغراتها .

لم يكن وطننا في امس الحاجة الينا مثل الان ، ولن يكون كذلك مستقبلا ، فهو يمر في هذه الانية بمرحلة انتقالية لتأسيس مرحلة دائمة ببناءات جديدة غير مسبوقة ، تقودها القاطرة الاقتصادية ، لم يستوعبها الكثير من ابناء الوطن ، لأن فيها بعض الالام الاجتماعية ، وبسببها يثير جدال اجتماعي  ، ويتصاعد مع تصعيد رهانات الحكومة التقشفية وسياساتها المالية والضريبية .

 في الوقت نفسه ، تصر الحكومة على مواصلة نهجها ببرغماتية كبيرة ، بمعزل عن تلكم الالام الاجتماعية ، لدواعي هذه البرغماتية في عملية تأسيس اقتصاد دون نفط ودون غاز ، ويرى بعض الفاعلين أن الهدوء وضبط الانفعالات الاجتماعية خلال مرحلة التأسيس ينبغي أن تسود مهما كانت النتائج ، وانعكاساتها الاجتماعية .

لكن ، الى أي مدى سيتحمل مجتمعنا الآلام خلال المرحلة التأسيسية ؟ وكم مدتها الزمنية ؟

تختصر الفقرتان السابقتان المشهد الوطني بثنائيته الحركية ، والتفاعلية ، وهي مهمة ، لمعرفة وجهتي نظر مؤطري عملية التأسيس  ومتلقي نتائجها ، فهل هناك من رؤية وسطية تحتمها ظرفيات التأسيس ، وتداعيتها ، ومحاولات ديناميات (قوى ) خارجية  سواء كانت – فردا ، مؤسسة ، دولة – التقاطع مع هذه الظرفيات لغايات شخصية وأجندة سياسية .

التساؤل العاجل ؟

س: هل نكون أدواتهم لتحقيق مآربهم ؟

التساؤل نطرحه على كل مواطن ، مهما كان موقعه وتموقعاته ، من الوزير الى الباحث عن عمل  …الخ  كلنا معنيون بالتساؤل ، دون استثناء ، وهنا منطقة وعي سياسية ، نستهدفها مباشرة ، لتحصين افعالنا وردود افعالنا .

 لماذا ؟ لأن عندنا شيئا غاليا وثمينا ينبغي أن نخاف عليه على الدوام ، وخوفنا الاكبر الان – وهذا الاستثناء من ذلك المبدأ العام – من تقاطعات الخارج مع الداخل في قضية واحدة على الاقل ، هي قضية الباحثين عن عمل ، التي سيحاول أن يستغلها افضل استغلال ، لأنها تشكل ارضية خصبة له، وفيها من العواطف والمشاعر المواتية والانية الضاغطة والقابلة للاستغلال ، فهل يسهم داخلنا في نجاح مآرب الخارج ؟

سوف يتكرر معنا هذا التساؤل حتى نتأكد اننا قد زرعناه في كل الذهنيات بمختلف شرائحها ومواقعها ، وألوانها الوظيفية ، فهذا الغالي والثمين الذي يشغلنا كثيرا هنا ، ، يقف الخارج فيه ، بين حاسدنا عليه  ومغبطنا له ، وهو يكمن في حالة الاستقرار والامن التي تعيشها بلادنا منذ انطلاقة نهضتنا المباركة عام 1970 ، لن نجد في داخلنا من لا تعنيه استمرار هذه الحالة ، ولن نجد كذلك بيننا من لا يقدرها حق قدرها ، ويدرك نعمتها ، ويتمسك بها ، ويضحي من أجلها .

• لكننا ،  ينبغي أن نقلق  عليها لدواعي الديمومة والمسير الآمن ؟ 

القلق هنا استثنائي إذا ما تقاطعت معه التحديات الجيوسياسية ، لأن شأننا الداخلي لم يعد الآن شأنا محليا خالصا حتى لو ظلت الثنائية المتعارضة للمرحلة الانتقالية قائمة ، فهذا المحيط الجيوسياسي ، قد جيش آليته الاعلامية ، واسس لوبيات إعلامية للسيطرة على الفضاءات الوهمية لتحقيق أجندته الخاصة ، فلم نعد نثق بكل التغريدات ، لأنها قد اصبحت مدفوعة الثمن ، كما أصبحت بعض الاقلام والنخب المثقفة مأجورة ، ومن ثم مسيسة .

من هنا ، يحق لنا ، ان نعلي من شأن خوفنا على قوتنا الديموغرافية بعد انكشاف العشرات من الحسابات الوهمية الفضائية التي تحاول إثارة  الجدال الاجتماعي حول قضية الباحثين عن عمل ، وتسخينها للدفع بها نحو الانفجار ، فهل نكون أدواته ؟

• الرهان على هذا الوعي .. ولكن ؟

في حوار سريع مع باحث عن عمل ، قابلته بالصدفة ، حول خيار الشارع كما يروج له من الخارج يوم 15من اكتوبر الحالي ، تساءل الباحث فرضا ، لو كان ذلك خيارنا نتيجة شعورنا بفقدان الامل في الحق في العمل ، فمن يضمن أن خروجنا لن يسيس ، ولن تتقاطع معه أجندة أخرى ، ويتعاظم شأنه ، وقد تبعده عن مسار المطالبة بالحق عن العمل .

حقيقة تفاجأت كثيرا بهذا الموقف الايجابي ، فهناك وعي شبابي رفيع بالمرحلة وتحدياتها رغم ضغوطاتهم الداخلية ، وانتظارهم للوظيفة منذ عدة سنوات ، وهو موقف ننقله هنا بصوت مرتفع ، فماذا ينبغي أن يترتب عليه ؟

• الحل :

الانفتاح فورا نحو إيجاد فرص عمل لشبابنا ، خاصة في الشركات النفطية الكبيرة الحكومية والخاصة ، وهي بمقدورها أن تستوعب الآلاف منهم بين توظيف فوري ، وتدريب وتأهيل عالٍ ، على أن يقنن ذلك داخل كل محافظة من محافظات البلاد ،مع تحريك الباحثين من المحافظات التي لا تتوفر بها الشركات النفطية الكبيرة ،  فمثلا ظفار الذي يوجد بها أكثر من (5) آلاف باحث عن عمل ، ينبغي تشكيل لجنة خاصة من كفاءات نزيهة ومخلصة ، وتمثل فيها كل الشركات الكبيرة ، للتوظيف ، وتأسيس صندوق مالي ، للتدريب وتأهيل ما تبقى منهم لمدة سنتين .

 وبذلك نخفف الضغوطات على مرحلة التأسيس الوطنية ، ونمتن الحصانة لجيلنا الجديد من اية اختراقات خارجية سواء كان وراءها افكار مراهقة أم ناضجة ، أو تأثير السياسات المالية والضريبية الداخلية ، وبهذا الحل نجمع بين الحسنيين وهما الاطمئنان على المسير الآمن لبلادنا ، وقطع كل السبل أمام الخارج لاختراق داخلنا ، مع تشكيل ادارات ازمة وطنية واقليمية لضرورات ديمومة حالة الامن والاستقرار ، ليس بسبب ضغوطات الخارج ، وانما لمواجهة الانعكاسات السلبية للسياسات المالية والضريبية الجديدة ، وذلك حتى نحافظ على حب الوطن في أجمل صوره وأصدق معانيه، تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر ، وهكذا ينبغي أن يكون دفاعنا الحقيقي عن وطن علاقتنا به وجودية ، لكن ، كيف ؟ هذا موضوع مقالنا الورقي المقبل بمشيئة الله .

مقالات ذات صلة

اترك رداً