التقاويم وتسميات الشهور وأخبار الدهور

د.علي ثويني

ثمة حقيقة اننا ورثنا اسماء شهورنا وتقاويمنا من أزمنة قديمة، بما جعل الأمر ملتبس لدينا في أصولها ومعانيها ورمزيتها. ففي التسميات القديمة مثلا نجد في الأشهر القمرية أسم عاشور وهو أول شهور العرب وهو نفسه وارد من الديانات العراقية القديمة ونجدها قد تجسدت في(أشور) مصدر تسمية الاشوريين ،و أقتبسه الفرس كذلك وأسموه (أهورا) مقترنا بالآلهة الفارسي القديم.

 وبسبب جهل المؤرخين المسلمين بالآرامية واللغات الشرقية المنقرضة عموما فكان سهلا عليهم أن ينسبوا الكلمات لأصول فارسية أو “رومية” أو يقربوها إلى معان في العربية كونها من (السامي المشترك) مثل كلمة (كانون) التي مازالت تستعمل بدلالات لغوية تعني موقد النار بما يعني الشتاء الذي تحل به المواقد . وذكر البيروني بعض التسميات وضن بأنها مجوسية ويعني بابلبة لاختلاط الحال عنده بين المانوية البابلية والزرادشتية الفارسية.وهذا الأمر يؤرق قراءتنا لتأريخنا الإسلامي الذي يحتاج إلى إعادة قراءة وتحليل لساني يعتمد معطيات بحثية معاصرة.

نجد مثلا في هذا السياق ما قاله صاحب اللسان مبتدءا بشهر (آب-أغسطس):  (و آب من الشهور أعجمي معرب) وتمادى في ذلك بخصوص شهري كانون (والكونان شهران في قلب الشتاء، رومية) .ووهم مثله صاحب (القاموس) بقوله :(وحزيران اسم شهر بالرومية وكذلك نيسان وتشرين وآذار). وزاد شرحا بقوله (والكونان شهران في قلب الشتاء ،و قيل هو عربي مأخوذ من معنى الثقل لشدة برده وصعوبة المتسبب والحركة فيه وقيل دخيل)(). وقال “البيروني” :(المجوس وقد يسمون الشهور بالأسماء السريانية، أما النصارى بالشام والعراق و خراسان فقد مزجوا بين شهور الروم وشهور اليهود، وسموها بأسماء سريانية وافقوا في بعضها اليهود وباينوهم في بعضها)(). وقال “ابن العبري” في كتابة الفلكي السرياني :(فمن الأمم التي عدت بعض شهورها ثلاثين يوما ومنها أكثر من ثلاثين وبعضها أقل منه كالرومان واليونان والرهاويين(أهل حران أو الرها أو أوديسه واليوم أورفة ) والسريان،واما الرهاويين لما اقتبسوا أسماء الشهور من العبرانيين لم يوافقوهم في تقسيم كمية أيامها لكنهم وافقوا في ذلك اليونان والرومان)().    وفي قول هذا العلامة فأن مجموعة من أسماء  شهور العبرانيين لا توافق أسماء شهور السريانيين وهي : مرحشوان، وكسيلو ،وطيبث، وسيون والثلاثة الأولى توافق تشرين الثاني(نوفمبر) وكانون الأول(ديسمبر) وكانون الثاني(يناير) .ومن الجدير ذكره أن اللغة العبرية تحوي الكثير من التسميات المشتركة مع السريانية، ولكن الملفت أنها تعني أشهر أخرى فمثلا أيار لديهم يعني شباط السرياني وحزيران يدعوه آذار أول ثم ثاني وأب يحل محل آيار ..الخ.وهنا نذهب غلى أن العبرية إلا لهجة آرامية أكسبها الدين اليهودي ذاتوية فارزة عن اللهجات الأخرى.

وأورد الأب دورم في كتابه (البلاد الواردة في الكتاب المقدس ص 42 )، ان طيبثTebet  وسيون Siwan اسمان بابليان، وليس عبريان ، و يؤكد اقتباس اليهود للكثير من المفاهيم ومنها أسفارهم من أساطير بابل. وذكر أيضا في كتابه أنف الذكر وكتابه المسمى بـ(الديانة الآثورية البابلية) أن أسماء شهور آذار ونيسان وأيار وتموز وآب وأيلول ( ويسمونه أولولوUlulu) وتشرين ويذكرونه مرخماً(تشري) كما هو عند العبرانيين والسريانيين أيضا Tesrit وهي بابلية الأصل ، ومن البابلية أخذها العبرانيون والسريان فقال العبرانيون ، نيس، واواب (مثل السريان) وتمز، وايلل، وسفط .أما حزيران، وكانون الأول، وكانون الثاني فأسماء سريانية ووردت كذلك Hziron, Kanoun, Kadhmoio, Konoun, Traino) ) .

وأخذ الشاميون نظام التعديل الذي  يقرب السنة القمرية من السنة الشمسية كثيراً الذي يمكن حسابه مقدماً من البابليين في القرن الرابع ق.م. بعد أن كانوا يستعملون سنة قمرية خالصة، واحتفظوا بهذا النظام إلى اليوم.وهنا نشير إلى أن القمر كان معبودا لدى السومريين وورثوه لكل عقائد الشرق،و كانوا يكنى الإله القمر العديد من الأسماء . و أكثر الأسماء شيوعاً كان نانا، سون، عظيم بابا Nanna, ” Suen, Asimbabbar ” كوسوه، Kusuh . وهذا الإله كان يرمز له بالهلال.  وفي الشام كان يرمز للإله سين بهلال. مع الوقت أصبح يضاف القمر الكامل إلى الهلال مع بقاء الهلال ظاهراً ليصبح إشارة إلى جميع فترات ظهور الإله القمر.أما ورثتهم الآشوريين والبابليين والأكاديين وحتى المصريين فقد اقتبسوا عبادة القمروحرفوا اسم إله القمر سون إلى سين, Sin, ليكون الإله الرئيسي. وذكر العالم الآثاري سيغال بأن  عبادة القمر كانت في جنوب الجزيرة العربية الديانة الرئيسية على الدوام. الإسم القديم للإله القمر. وورد في التواريخ أن الملك الأخير لبابل نبونيد  Nabonidus (555-539 ق.م)، أعتنى كثيرا بعبادة القمر في واحة تيماء شمال الجزيرة العربية لتصبح كعبة لعبادته .

أما الآلهة الشمس فكانت زوجة الآلهة سين في حين كانت النجوم بنانتهم. أما عشتار فكانت واحدة من بناتهم والأضاحي إليهم جرى تعدادها في وثائق تمّ العثور على بعضها في رأس شمرا( أوغاريت) بسوريا. والأمر عينه ظهر في مصر وفارس. أما في (العهد القديم ) فقد أكد على تحريم عبادة القمر. ونجد في النصوص تحذير “الرب” لشعب إسرائيل مثل: “لا ترفع عينك إلى السماء وتنظر الشمس و القمر والنجوم و كل جند السماء .. فتغتر وتسجد لها وتعبدها “(). وقد ورد التحذير ذاته في سور قرآنية كما  ” الأنعام (الآي 77- 78) – فصلت (37الآية ) “، إنسياقا في المبدأ التوحيدي المشترك. ولانستبعد أن  اسم (ياسين) في القرآن الكريم ، هو نداء قديم ، وربما يرد في (طور سنين) اي جبل سيناء التي كانت تسمى (جبل القمر).

وقد أخذ العبرانيون أسماء الأشهر الكلدانية – البابلية: طبيتو، شباطو، ادارو نيسانو، ايارو، سيمانو، تموزو (أو دموزو)، آبو، ألولو (أو أولولو)، تشيرتو، اراشامنا، وكانونو (كسليمو أو كسليفو). وهذ الأشهر بالعبرية: طبيث، شباط، ادار، نيسان (أبيب = الربيع)، ايار (زيو)، سيوان، تموز، آب، ألول، تشري (إيثانيم)، مرحشنان (بول)، وكسليف. وأسماء الأشهر هذه أخذها العرب والأتراك أيضاً مع تغيير بسيط، وقبلهم الأراميون والمسيحيون والسريان والمندائيون. ولدى الصابئة تسمى الأشهر طابيث، شباط، آدار، نيسان، أيار، سيوان، تموز، آب، ألول، تشرين، مشروان، وكانون.

ومن المعلوم أن أسم طويث Twithأو طبيث Tebith وردت في كتاب (أسكوليون مج 2 ص312)لمؤلفه ثاودوروس إبن كوثي الكسكري الكلداني، الذي عاش في المئة السابعة للميلاد قال(شهر طويث وهو كانون الثاني.وعليه قال بيان سميث في معجمه ص 181 (طبيث شهر كانون الثاني،وربما كانت هذه الكلمة مستعملة في بعض ديار سورية في عصر عريق في القدم).

لقد كانت معرفة سكان بيت النهرين بالتقويم من جراء إلمامهم بالتنجيم أساسا .حيث كان يبدأ العام في الربيع ببداية نيسان ، حيث فترة انتعاش الطبيعة ، وقسمت السنة الى فصلين ، ويبدأ احدهما في نيسان والثاني في (تشريت ) (تشرين الاول ) . الفصل الاول : نيسان :(آذار ـ نيسان ) ايار : (نيسان ـ ايار) سيوان : (ايار ـ حزيران) تموز : ( حزيران ـ تموز) آب : (تموز ـ آب ) ألول (أب ـ ايلول) .الفصل الثاني : تشريت : (ايلول ـ تشرين الثاني)  حسامنا : (تشرين الاول ـ تشرين الثاني)  كسيمو : (تشرين الثاني ـ كانون الاول ) تابت : (كانون الاول ـ كانون الثاني ) شباط : (كانون الثاني ـ شباط) آذار : (شباط ـ آذار ) .

ويمكن أن تكون بعض تلك التسميات من أصول سومرية وهي أولى الحضارات المثقفة في الشرق القديم مثل كلمة (دموزي) أو (تموز) و  تعني في لغتهم (الأبن الشرعي أو الحقيقي) ، ولكن مضامين تلك التسمية لم تكن معروفة في الحقبة الأولى ،كان كثيرا مايدعى (دموزي-أبزو) أي (دموزي البحر) وأبزو هنا أشارة الى آلهة الماء أنكي،لذا لايستبعدون أن الأسم قد سماه به كهنة الدينالسومريين،بعد أن أضفيت عليه صفة الألوهة،ولسبب مجهول صار يعرف بانه (إبن أنكي حقا).   وحدث أن أنتقلت تلك التسمية مثلما نقل الكثير من مظاهر الثقافة والحضارة السومرية إلى الاكدية التي تحمل الجذور الأولى للعربية ، و انتقلت دواليك إلى من ورثها من الأقوام الآمورية والكنعانية والكلدانية والآشورية والآرامية واقتبسها العبرانيون فأصبحت إحدى شهورهم ونقلها الفينيقيون إلى اليونان فكانت (أدون) ومعناه المولى ،فحرفت و أصبحت (أدونيس) لتضطلع بنفس المنزلة الروحية().

ثمة يوم من أيام تموز هو اليوم السابع عشر، الذي يرد ذكره لدى التقويم اليهودي بإستثناء (حزقيال 8:14)،وهو يوم صوم وحزن وممارسة طقوس معينة،ويرجع الأمر الى طقس البكاء بعد موت دموزي لدى العراقيين في بابل وقبلها، وربما يحمل لديهم رمزية أو علامة تاريخ خراب هيكل سليمان فيما بعد. ومازلنا نشكك في يوم إختيار هذا اليوم من قبل الإنقلابيين البعثيين في العراق عام 1968،وربما يكون  الأمر من إيحاءات مؤسس حزب البعث (ميشيل عفلق) بالوعي او اللاوعي من فعل أصوله اليهودية الرومانية.

لقد كان البابليون يحزنون في أيلول الذي يشعرهم  ببواكير الخريف ونضوب الخصب والخضرة ،وقد جعلوه موسما للبكاء والعويل على (دموزي) بعد أن زال خصبه ،وما كلمة أولولوUlulu التي ورد منها (ايلول)إلا تعني الولولة أو النحيب في العربية ونلاحظ أنها  قريبة لشقيقتها.ومن الغريب أن لها مرادف قريب في الإنكليزية  (wailing ) ويعني الأمر عينه ،بما يدعوا إلى العجب العجاب. وربما تحول الأمر لطقوس النواح على الإمام الشهيد الحسين بن علي(رض) لاحقا.

لقد أختلف العرب في تتبع أي من مسالك التقاويم وإقتفاء مصادرها، و تفرقوا اليوم الى خمسة مجاميع مميزة تتبع كل منها تقويم بعينه ،  وهي:

  1. المغرب وقد استعمل أسماء الأشهر الرومانية بالصيغة التي استعملها العرب في الأندلس بسبب تماسهم واختلاطهم مع النصارى والتي نقلت إلى المغرب مع حركة التواصل بين الصوبين، لتستقر إلى يومنا هذا. و تلفظ الأسماء عربيا مثل غشث (أغسطس) وشتمبر ..الخ. ومن الطريف في ذلك وجود  مناسبة شعبية في المغرب العربي يطلق عليها(الناير) وتمارس فيها طقوس الفرح وتبادل الهدايا والزيارات على نطاق واسع وهي مأخوذة من أسم (يناير) أو رأس السنة الميلادية الروماني.
  2. موريتانيا والجزائر وتونس وهي تستعمل الأشهر الموروثة من التسميات الفرنسية لكنهم كتبوها بأحرف عربية مثل أوت (أغسطس-آب) وجويية (يوليو-تموز) وجانفي(يناير-كانون2)..الخ.
  3. ليبيا وقد ارتأت قيادة معمر القذافي البائدة ضمن هوس التركيز على الذات ولفت الأنظار والإختلاف من أجل الخلاف والتميز دون هدف علمي أن تقترح أسماء خاصة بها مستمدة من الأحداث السياسية أو المناخية أو حتى من الأعراف العربية البدوية منها مثل أشهر الطير والحرث أو سياسية مثل ناصر(يولية) والفاتح(سبتمبر)..الخ.بيد أن التوجه الجديد لليبيا سيعيد حتما النصاب لما سبق كما هي حالة كل هوس إستجدادي.
  4. مصر والسودان والجزيرة العربية،و بضمنها اليمن والخليج العربي الذي تبع للتأثيرات الثقافية المصرية وعائدا التكوين الأول لإدارات تلك البلدان،و التي اعتمدت على الخبرة المصرية التي أستعملت تلك التسميات منذ “فرنجة” الحياة في مصر في القرن التاسع عشر على يد محمد علي باشا وورثته. والأشهر هنا أسمائها رومانية بحتة حرفت للتسهيل ،مثل يونية ويوليو وأغسطس ..الخ. ومن الجدير بالذكر هنا أن جل تلك التسميات تخلو من المنطق السديد، فهي أما هجين من الاقتباسات الرومانية أو استرسال رقمي قديم حينما كان العام يبدأ في الشهر الثالث الحالي. فنجد (يناير) يعني شهر الشباب أو التجديد و(فبراير) يعني شهر التدفئة و (مارس) ورد من بقايا الوثنية ويعني المريخ. أما (أبريل) وهو مقتبس ومقلوب من لغات الثقافات السامية(العربية البائدة) بصيغة (أربع أيل) أو (اربيل) التي تعني الآلهة الأربع،لما للرقم 4 من حظوة و(ايل) يعني (الله) العربية.ومن ناحية الترقيم فهو الأصح من حيث وروده الرابع. ونجد الخلل الرقمي مثلا في سبتمبر الذي يعني السابع وموقعه التاسع و أكتوبر ويعني الثامن وموقعه العاشر وديسمبر ويعني العاشر وموقعه الثاني عشر. ومن المعلوم أن الغرب أستعمل التقويم الروماني الشمسي المعروف بالتقويم اليولياني، الذي أدخله يوليوس قيصر العام 46 ق.م. وأضاف سنة كبيسة كل أربع سنوات ليكون طول السنة اليوليانية 365 يوماً وربع اليوم. لكن هذا التقويم يقل في الواقع بـ 11 دقيقة و 14 ثانية عن السنة الفلكية، هذا يعني اختلاف يوم واحد كل 128,2 سنة أو ثلاثة أيام كل أربعة قرون تقريباً. وقد أصلح البابا غريغوري الثالث عشر هذا الخطأ العام 1582 م، حين أمر باستعمال التقويم المعروف حالياً بالتقويم الغريغورياني. وبدأت الدول الكاثوليكية استعمال التقويم الغريغورياني في القرن السادس عشر، أما الدول البروتستانتية فلم تستعمله إلا في القرن الثامن عشر. ولم تعترف الكنيسة الباروسلافية الروسية بهذا التقويم، ولم يجر إصلاح التقويم في روسيا إلا العام 1918، ولهذا السبب اختلف التقويم الروسي عن التقويم الغريغورياني المستعمل عالمياً حتى وصل الفارق إلى 13 يوماً .
  5. العراق وبلاد الشام وحتى تركيا الحديثة ،وقد استمدت التسميات من جذور بابلية-آرامية ” سريانية” أختارها الرعيل الأول من الإداريين والساسة الذي خلفوا الحقبة العثمانية. والأسماء هي آذار ،ونيسان ،وحزيران ،وتموز..الخ.

وفي خضم هذه الخلاف الثقافي ،ثمة حاجة لحل وسط بين الإدارات العربية ،  بغرض إيجاد صيغة تفاهم وسط  بما يوفره من  جهد ومساحة طباعية و يوحد تلك الثقافة التي وحدها الإسلام و فرقتها السياسة ومناخات المصالح.

مقالات ذات صلة

اترك رداً