سالم الحجري يكتب: المشروع النووي الإيراني.. الاتفاق المهدد

سالم بن حمد الحجري- باحث في العلاقات الدولية

 

 

لا يختلف اثنان على أن الاتفاق النووي الايراني مثير للجدل وسيبقى أحد الاتفاقات التاريخية المثيرة الذي وقعته إيران مع الدول الست (٥+١) في مدينة لوزان السويسرية عام ٢٠١٥ منهية بذلك سلسلة طويلة من المفاوضات ولتنتصر الدبلوماسية على طبول الحرب التي كانت تقرع في المنطقة، ولقد كانت مسقط العاصمة العمانية كلمة السر التي فتحت تلك المفاوضات لما تحمله من مكانة سياسية لدى أطراف الأزمة.

لكن وبرغم الترحيب العالمي الكبير بهذا الاتفاق النووي إلا أن بوادر انهياره قد ظهرت على السطح السياسي خاصة مع الإدارة الجديدة للولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب الذي عبر مرارا عن أن الاتفاق النووي مع إيران كان خطيئة وأنه محرج بالنسبة لأمريكا، وتراوحت خطابات ترامب بين استعداد ادارته لإلغائه وبين إعادة التفاوض في بعض بنوده، الأمر الذي أعاد أجواء الاحتباس السياسي والعسكري ما قبل ٢٠١٥ وينذر بعودة المنطقة لحالة عدم الاستقرار والشد والجذب.

ماذا لو.. أدت السجالات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة إلى انهيار الاتفاق؟ هل فعلا سيصمد الاتفاق بدعم الأطراف الدولية الضامنة أم أن التفاصيل المثيرة للاتفاق بها من الملاحظات ما سيؤدي إلى فشله وانهياره؟ هل يقصد الرئيس ترامب بقوله إن الاتفاق محرج لأمريكا هو مجاملة لإسرائيل التي عارضت الاتفاق ووصفته “بالخطأ التاريخي”؟

” الشيطان يكمن في التفاصيل” ولعل تفاصيل الاتفاق النووي فيها من الملاحظات الجديرة بتسليط الضوء عليها والكشف عنها في هذا المقال.

الجمهورية الإسلامية الايرانية سعت منذ ٢٠٠٣ لامتلاك الطاقة النووية السلمية نافية تماما الاتهامات بالسعي نحو تصنيع القنبلة النووية، وبنفس وتيرة النّفَس المحموم نحو الفوز بهذا السباق كانت التحركات لوقف هذا الطموح على أشدها، والتهديد بنسفه ولو عسكريا كان سمة المعارضين في الطرف الآخر، مما أوصل المنطقة إلى حافة الحرب في أكثر من مناسبة، وجعل المنطقة في وضع محتقن ومتأزم مما أثر على الأوضاع الاقتصادية والسياسية ليس فقط للدول المعنية بالصراع بل لمنطقة الشرق الاوسط والعالم بأسره.

ونظرة سريعة لبعض تفاصيل الاتفاق النووي بين إيران والدول الست (٥+١) والتي هي أيضا نقاط خلافية حادة ظهرت مؤخرا في السجال السياسي والدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، وسوف نختصرها بالآتي:

  • بحسب الاتفاق يجب على إيران تفكيك موقع آراك المستخدم في إنتاج الماء الثقيل الذي ينتج البلوتونيوم العنصر المهم في القنبلة النووية وهو ما ترفضه إيران وتقترح تجميده لمدة ١٥ عاما.
  • تخفيض إيران لأجهزة الطرد المركزي من ٢٠٠٠٠ جهاز إلى نحو ٥٠٠٠ جهاز في موقعي نطنز وفوردو وشحن أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا بحيث لا يبقى سوى الأجهزة التي تنتج النظائر المشعة المستخدمة في العلوم والطب والصناعة (الاستخدام السلمي) وهنا ترى الولايات المتحدة أن الكمية المخصبة من اليورانيوم أكبر من المعلنة وأن خطة العمل المشتركة لن تحول دون زيادة الإنتاج.
  • يرى بعض المحللين والخبراء أن الزمن اللازم لإنتاج إيران للقنبلة النووية أصبح لا يتعدى الثلاثة أشهر الأمر الذي تراه الإدارة الامريكية نسفا للاتفاق برمته.
  • كذلك يرى الأمريكيون أن مدة ٢٤ يوما وهي الفترة التي وافقت عليها إيران للرد على أي طلب للوكالة الدولية للتفتيش على المشروع النووي ومواقع الإنتاج، مدة طويلة لإخفاء أي أنشطة سرية.

لكن بتحليل الأزمة الحالية والتي نشأت مؤخرا تكاد لا تعدو سوى صراخ إعلامي، وتصريحات غير جدية تهدف إلى تعزيز المواقف وحث الأطراف على الالتزام ببنود الاتفاق المعلن، أما على الأرض فكلا الطرفين لا يملكان سوى المضي قدما في التنفيذ حيث إن الوضع الاستراتيجي للمنطقة لا يسمح بعمل عسكري حاسم سواء للولايات المتحدة التي تتولى أيضا مواجهة التصعيد المستمر لكوريا الشمالية وتجاربها على القنبلة الهيدروجينية والصواريخ الباليستية وربما سنتناول ذلك في مقال منفصل لاحقا، أو بالنسبة لإيران التي تأذت كثيرا من المواجهة طوال السنوات الماضية وتأمل في تعزيز موقفها السياسي والاقتصادي.

في أفضل الأحوال – وهو استمرار العمل بالاتفاق النووي الموقّع- فإن ال١٠ – ١٥ عاما المقبلة ستضمن هدوء المنطقة فيما يخص هذا الملف كما سيحقق لإيران انفراجة اقتصادية مهمة خاصة بعد رفع العقوبات المفروضة على الشركات الايرانية وعودة النفط الايراني إلى السوق العالمية “رسميا” لكنها ستكون تحت ضغط عمليات التفتيش لمنشآتها باستمرار، وسوف تعود الدبلوماسية بفنونها المختلفة للعب الدور الرائد والناجح في إدارة هذا الملف الشائك.

مقالات ذات صلة

اترك رداً