هذا بعض ما حدث في فرنسا

محمد الهادي الجزيري

الجميلة الشقراء واقفة في المترو في حشد كبير من الناس..، الجميلة تبكي في صمت دون شهيق ولا ولولة ..تمسح دمعة هاربة من عينين خضراوين وجدتا للفرحة فقط…

ولنعد من البداية…

الرضيعان الأسود والأبيض والمعينة الآسياوية ..يمرّون بنا دون اهتمام بنا أمام دهشتنا وارتباكنا ..فلم يحدث لنا أن شاهدنا مشهدا مثل الذي في حضرتنا..، فرنسا تقول لنا من خلال الرضيعين والسيدة المعينة المنزلية أنها تجمع الإنسانية في سلّة واحدة ..، لا يفرّق شخصا عن الآخر إلا القانون..، ولا عرق ولا جنس ولا ديانة للجميع غير الحرية…

في المطعم كان أوّل كائن يشدّنا إليه بقوّة ..العجوز التي جاوزت الثمانين كما أنها مصابة برعشة في الصوت تجعل من الاستماع إليها أمرا في غاية الصعوبة..، مع ذلك جلسنا مع مضيّفين وتبادلنا الحديث..، وظلّت العجوز المشاكسة طوال السهرة ..تفتكّ الكلمة وتقول ما تريد..مرّة تشدو علينا شعرا ..ومرّة أخرى ترينا قطعة الصوف الصغيرة التي بين أيديها وتفاخر أنّها بدأت حياكتها منذ خمسة أشهر..ومرة ثالثة تسأل الضيوف عن وظائفهم وتوغل معهم في نقاش..، صراحة لم نر كائنا بهذا النبض والحيوية والرغبة في الحياة كهذه المرأة التي صادفناها ليلة استضافتنا من قبل أصدقائنا الفرنسيين…

لكن لنعد من البداية مرّة أخرى..

عون الجمارك يسألنا عن سبب قدومنا إلى فرنسا فيجيبه عبد الكريم الخالقي أننا مدعوان من قبل ” جمعية اللقاء الأوروبي ” فيباغته العون بأسئلة أخرى من مثل 

ـ كم صرفتم أموال

ـ هل لديكم اسم النزل الذي ستقيمون فيه

ـ هل ينتظركم أحد الأصدقاء

فيصاب عبد الكريم بغضب ولا يزول عنه إلا متى يظهر الرجل الموسّم بدرجات عالية ويسمح لنا بدخول فرنسا مع الاعتذار لنا عن سوء التفاهم..ودخلنا فرنسا ملهوفين …

أوّل رحلة في وسائل النقل كانت مع السيدة الشاعرة أمينة دباج ..وهي مغربية تقيم فرنسا منذ أكثر من ثلاثين سنة ..، قالت لنا ابشروا ستحتكون بالشعب في رحلتكم إلى البيت ..وانطلقنا في حافلة أولى ..ثمّ اكتشفنا غلاء التذكرة المخصصة لركوب المترو..وامتطيناه مطيعين لأوامر السيدة الفاضلة التي سخرت أسبوع كامل من حياتها للحفاوة بنا ..وكنت والحقّ يقال أشعر أنني طفل كبير في ظلّ شجرة وارفة..، خلاصة القول نزلنا من مترو الأنفاق ..( أنا أجرّ ساقي وأحمل يدي اليسرى التي لم تشف بعد…، وعبد الكريم يجرّ حقيبته التي كُسرت يدها ..) وأخذنا حافلة ثانية ..ونحن نضحك على طول المسافة إلى الجنة….

استمعت في ضجيج الأنفاق التي قطعناها أكثر من مرة لاستخدام المترو..، استمعت إلى كلام عربي يقول ( لله يا محسنين ) فكذّبت نفسي..لكنّه أصرّ وألحّ إلحاحا فالتفت إلى جهة الصوت فرأيت شخصا عربيا حذوه أطفاله وزوجته ..يطلب ما يسدّ رمقه ( لن أذكر جنسيته احتراما لذاته الإنسانية ) لكنه آلمني بشدة ويا ليتني لم أره….

هذا بعض ما حدث لي في رحلتي الأخيرة لفرنسا ..، دوّنته على عجل كي لا يُنسى..وسأكتب حين أرتاح قليلا من سفري ..فانتظروني ….

ولكن…..

الجميلة الشقراء تخرج في صمت جليل..تدخل في نفق محاذي للرصيف ..ثم توغل في ظلام المترو الذي ينأى بعيدا بي وبهواجسي الغريبة

الجميلة الشقراء

” تعلن كلّ أنوثتها في الممرّ المؤدي إلى الحزن

تفتح باب الغيابِ

وتدخل في ملكوت قصيدتي “

مقالات ذات صلة

اترك رداً