د.عبدالله باحجاج يكتب: الاستدامة في توليد الوظائف

أثير- د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لم يعد لبلادنا من خيار استراتيجي آخر سوى التفكير الجدي فيما يطرحه عنوان المقال من أبعاد وخلفيات بعد أن تجددت احتقانات قضية الباحثين عن عمل للمرة الثانية في أقل من سبع سنوات – 2011- 2017- وبعد أن فرض الحق في العمل نفسه الآن  كأولوية وطنية ، يمكن أن تتجدد اذا لم يتم تغير بعض المفاهيم والقناعات الحكومية .

وكذلك بعد أن انكشفت لنا ديناميات (قوى) حاولت تسييس القضية لمصالح ذاتية ضيقة ، وكذلك لاحت في الأفق بوادر استغلالها من خلال حسابات وهمية ، قد تتصاعد ، وقد تستغل من قبل  منظومات اعلامية ذات توجهات سياسية إقليمية ، أقيمت خصيصا للتأثير على الرأي العام الخليجي ضد انظمتها.

ولنا في اقامة مركز دراسات متخصص في الشأن العماني من قبل احدى الوحدات السياسية الاقليمية ، استدلالا لضرورة التغير واعادة حساباتنا الداخلية لتفويت على الخارج ودينامياته من استغلال حالات الفراغ وتداعيات السياسات المالية والاقتصادية التي تؤسس مرحلتنا الوطنية الدائمة .

التحدي الاكبر الذي يواجهنا الان يدور حول كيفية توليد الوظائف من خلال الخطط والبرامج بعيدا كل البعد عن اسلوب الاستجابة للحقوق تحت الاكراه ، هذه الحقيقة ينبغي أن نعلي من شأنها هنا ، وبصوت مرتفع ، لأننا  كما قلنا في مقالنا السابق ، المعنون باسم الوطن .. يا رسول الله ، عندنا شيء ثمين وغالٍ نخشى عليه ، وهو الامن والاستقرار .

 وبالتالي علينا العمل وفق الخطط والبرامج لاستيعاب واحتواء الديموغرافية العمانية عموما ، وفئة الشباب خصوصا الذين يشكلون الاغلبية .

إذًا ، ماذا يستوجب فعله الآن تناغما مع الحرص السامي بتوفير (25) الف وظيفة جديدة ؟

  • ضرورات تغيير القناعة المالية للحكومة .

تؤطر السياسات المالية الحكومية قناعة مفادها : أنه لا يمكن ترشيد الانفاق في ظل الاستمرار في التوظيف أو حتى تقليل معدل الباحثين عن عمل ، على الاقل خلال المرحلة الانتقالية التي تؤسس لنا المرحلة الوطنية الاقتصادية والمالية الدائمة ، لذلك ، فهي وراء وقف التوظيف والترقيات..الخ .

 وهذه القناعة وراءها برغماتية جامدة لا يمكن أن تشكل قناعة رجل دولة ، وانما هي من اساسيات كل رأسمالي أو اقتصادي ، لأنها تصلح للكيانات الاقتصادية الخاصة كالشركات مثلا ، صحيح أن هذه القناعة ستصحح الاختلالات المالية الهيكلية ، مثل ما اعقب الاعلان عن توفير (25) الف وظيفة جديدة ، الكشف عن ارتفاع ايرادات الدولة بنهاية يوليو الماضي بنسبة (25،7%) ، كما تم الكشف كذلك عن خفض العجز المالي للدولة بنسبة (35،7%) خلال الفترة  نفسها والاعلان كذلك عن فائض مالي .

هل تلكم رسالة من الفريق المالي تتزامن مع توجهات التوظيف الجديدة ؟ وكأنها تقول إن الوظائف الجديدة ستأكل الفائض وسترجع العجز ، أو أن البرغماتية المالية في طريقها الصحيح لإعادة الهيكلة المالية للبلاد بالقليل من ايرادات النفط والغاز، حتى لو لم يكن ذلك رسالة ، فإن السياقات الزمنية للكشف عن ارتفاع الايرادات وخفض العجز والفائض المالي ، ومضامينها المالية ، تعطينا ذلك الانطباع المتزامن مع الوظائف الجديدة ،.

  • السياسة تعقلن الجنوح المالي .

وفعلا ، فإن الجنوح المالي لإدارة مرحلتنا الانتقالية ، لا يمكن أن يشكل سياسة ثابتة ودائمة متوسطة الأجل ، ويمكن قبولها كقصيرة المدى ، لذلك فقد انكشف لنا يوم الاربعاء الماضي ، عن تحول سياسي في ادارة هذه المرحلة  ، فبعد ما كان يصطبغها الجنوح المالي ، تدخلت السياسة فيها ، وعملت على الحد من جنونها ، ليس لمواجهة احتقان آني ، وإنما لإدارة ملف الباحثين عن عمل بصورة دائمة ، اي استدامة الوظائف .

 دليلنا ؟

الإعلان الحكومي الخاص بالوظائف الصادر قبل اسبوع ، ففيه مقاربتان للحل ، تناولناها يوم الاثنين الماضي في مقال ورقي منشور ، الاول ، حل آني عبر ضخ (25) الف وظيفة جديدة كمرحلة أولى ، والثاني ، الاعلان عن اجراءات تنفيذية – لم يكشف عن ماهيتها – من شأنها توليد وظائف جديدة ضمن الخطط والبرامج .

وهذا يعني تدخل البعد السياسي في الادارة المالية للبلاد ، لأن السياسات المالية في بلادنا لا يمكن الحكم على نجاحها من خلال اعادة تصحيح الهيكلة المالية للبلاد – رغم اهميتها – وانما كذلك ، الحفاظ على ديمومة استقرارنا الاجتماعي ، وهما معيارا نجاح السياسة المالية في بلد كسلطنة عمان ، فقوتها لا تمكن في الاقتصاد فحسب ، وانما كذلك في القوة الاجتماعية .

هذا الوعي السياسي ، واحيانا تقدمه السياقات كاستدراك سياسي ، نجده مجسدا في تحديد (25) الف وظيفة جديدة ، فلماذا هذا الرقم تحديدا ؟ ولماذا التلويح بانه يشكل كمرحلة أولى ، وهذا يجرنا الى معرفة العدد الاجمالي للباحثين عن عمل ، ونسبة الذكور والاناث فيه ، فآخر الاحصائيات الرسمية تشير الى انهم يبلغون أكثر من (خمسين) الف باحث ناشط الى نهاية يوليو عام الفين وسبعة عشر ، فيهم أكثر من (تسعة عشر) ألف ذكورا ، وأكثر من (واحد وثلاثين) الف اناثا ، وفق مختلف المستويات التعليمية .

من تلك الابعاد ، تعد (25) الف وظيفة جديدة ، كتوجه لاستيعاب العدد (19) الف باحث عن عمل ، والباقي من الوظائف الجديدة ، يمكن أن يستوعبها الاناث ممن لهن ظروف عائلية خاصة ، كمرحلة اولى.. وستتبعها مرحلة استيعابية ثانية ، مع فتح ابواب التوظيف والإحلال والتعمين في كلا القطاعين العام والخاص من خلال الخطط والبرامج .

الأهم هنا ، ان تلك القناعة قد تم كسر حديتها عبر انفتاحها نحو استيعاب الاكراهات السياسية التي اشرنا اليها في مقدمة المقال ، وهذا الانفتاح قد أصبحت  الظروف مواتية له ، وداعمة بصورة غير مسبوقة ، فسعر نفطنا يحوم حول (60) دولارا للبرميل ، وايرادات الغاز الجديدة بعد تدشين حقل خزان … تجعلنا ننفتح بكل اطمئنان ، وثقة ، لكن من خلال التوظيف والتعمين الذي يحتمه اقتصادنا الوطني.

ولو استمرينا في التعمق في هذه الانفتاح المالي ، وتحليل استشرافاته،  لربما يتجلى لنا كذلك ، انفتاحات مقبلة نحو مفاصل مهمة في التنمية الاجتماعية للدواعي السياسية نفسها السالفة الذكر ، وهذا لا يعني التراجع عن سياسة اعادة الهيكلة المالية للدولة ، وانما عقلنتها لدواعي المسير الآمن للمرحلة الانتقالية الراهنة وفق القاعدة الذهبية المشهورة – لا إفراط ولا تفريط – .

وقد اقترحنا في مقالنا الورقي أمس الاول انشاء هيئة مستقلة لتوليد الوظائف ومكافحة البطالة – يراجع المقال المعنون باسم ، كيف ينبغي قراءة الاعلان الحكومي ؟ – فقضية البطالة لن تتحملها جهة واحدة ، وانما تشترك فيها عدة جهات حكومية وخاصة وعمومية ، فالمظلة المؤسسية المقترحة ستتكامل فيها كل تلك الجهود ، وستكون مسؤولة عن ملف استدامة الوظائف في بلادنا من خلال الخطط والبرامج لكل القطاعات في البلاد .

مقالات ذات صلة

اترك رداً