د.سعيد الصقري يكتب: قرار توفير 25 ألف وظيفة واقتصاد السوق

الدكتور سعيد بن محمد الصقري- رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية

في العادة لا تحتاج الحكومة إلى القيام بإصدار قرار لتوظيف الباحثين عن عمل. فالنمو الاقتصادي والاستمرار في تشجيع المؤسسات، وخاصة المؤسسات المتوسطة والصغيرة على المنافسة في إنتاج السلع والخدمات لتلبية احتياجات المستهلكين كفيلة بتوليد كل فرص العمل في الاقتصاد. لماذا خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟ لأنها تلعب دورا أساسيا في توظيف الباحثين عن عمل في معظم دول العالم والنسبة تتباين بين 65% إلى 90%.

كيف تتدخل الحكومة؟ وما هو الدور المطلوب منها؟ الدور المطلوب من الحكومة في اقتصاد السوق هو توفير بيئة داعمة للنمو.

هل إصدار قرار بتوظيف 25 ألف باحث عن عمل تدخل في آليات عمل السوق ودورته الطبيعية؟

من الطبيعي أن يتعرض الاقتصاد لفترات ازدهار وانكماش في دورة إنتاجه وعندما يعاني الاقتصاد من ركود، يجب على الحكومة التدخل لإيجاد حلول للباحثين عن عمل. وتدخل الحكومة يتم إما عن طريق سياسات نقدية توسعية أو سياسة مالية توسعية أو كليهما لتحفيز النمو الاقتصادي وبالتالي توليد الوظائف.

والسياسة النقدية التوسعية يستخدمها البنك المركزي لتحفيز النمو الاقتصادي عن طريق خفض معدل الفائدة على القروض لزيادة المعروض النقدي وتشجيع الأفراد والمؤسسات على الاقتراض. وتخفيض سعر الفائدة يزيد من السيولة مما يمكن البنوك أن توفر مزيدا من القروض. وانخفاض تكلفة القروض تشجع المستهلكين على الاقتراض والإنفاق مما يشجع الشركات والمؤسسات الإنتاجية لتوسيع أنشطتها لتلبية الطلب المتزايد. وتوسع أنشطة الشركات يحتاج إلى توظيف المزيد من العمال، وزيادة عدد العاملين تكون نتيجته مزيدٌ من الطلب على السلع والخدمات في دورة حميدة يكون لها أثر مضاعف على النشاط الاقتصادي والنمو على المدى القصير والمتوسط.

غير أن تطبيق السياسة النقدية التوسعية في الدول التي ترتبط عملتها بعملة أخرى، مثل الريال العماني بالدولار، غير ممكن أو أنه يمكن ولكن في حدود ضيقة جدا بسبب إمكانية هروب رؤوس الأموال إلى دولة الربط للاستفادة من الفرق في سعر الفائدة. علاوة على ذلك، تستورد السلطنة معظم سلعها الاستهلاكية ولا تنتجها محليا وبالتالي انخفاض تكلفة القروض سيشجع على المزيد من الاستيراد ولن يستفيد منه القطاع الإنتاجي المحلي بشكل كبير.

إذًا كيف يستطيع البنك المركزي اتباع سياسة نقدية توسعية؟ ما هو البديل الذي يستطيع القيام به غير تخفيض سعر الفائدة؟

يستطيع البنك المركزي زيادة المعروض النقدي باستخدام عدة أدوات منها خفض متطلبات الاحتياطي أو عن طريق شراء وبيع الأوراق المالية من خلال ما يعرف بعمليات السوق المفتوحة. والمنشور المالي الذي أصدره البنك المركزي في مارس 2016 باعتبار جميع أذون الخزانة مثل سندات التنمية والصكوك جزءا من المتطلبات الاحتياطية للبنوك وبحد أقصاه 2٪ يهدف إلى زيادة المعروض النقدي والسيولة. بالإضافة الى ذلك، يستطيع البنك المركزي زيادة كمية الأموال المتداولة عن طريق شراء الأوراق المالية الحكومية من المصارف والمؤسسات التجارية وهذا بدوره يحرر الأصول المصرفية وبالتالي يصبح لديها المزيد من النقد للإقراض.

وعلى كلٍ، السياسات التي تعمل بها الدول التي ترتبط عملتها بعملة أخرى لا تعتمد على تغيير سعر الفائدة وانما تستخدم السياسات المالية بفاعلية أكبر. والسياسة المالية التوسعية تعتمد على زيادة المعروض النقدي في الاقتصاد. وهذا يتم إما عن طريق زيادة الإنفاق أو خفض الضرائب والذي يؤدي بدوره الى زيادة استهلاك الأفراد والمؤسسات.

والإنفاق يزيد من القوة الشرائية ويشجع على الاستهلاك والذي بدوره يزيد من الطلب على السلع والخدمات التي تنتجها الشركات وبالتالي يشجع كذلك الشركات لتوسيع أنشطتها لتلبية الطلب المتزايد والى توظيف عدد أكبر من العاملين مما يؤدي الى زيادة الطلب على السلع والخدمات في دورة حميدة يكون لها أثر مضاعف على النشاط الاقتصادي والنمو. من جانب آخر، خفض الضرائب على أرباح رأس المال يؤدي الى زيادة الاستثمار في الأعمال التجارية وهذا يؤدي الى تعيين مزيد من العاملين.

هل زيادة الضرائب، واستحداث ضريبة القيمة المضافة، ورفع رسوم الخدمات الحكومية يتعارض مع السياسة المالية التوسعية؟ نظريا نعم ولكن في الواقع العماني لا. لماذا؟

لأن الإنفاق الحكومي يصرف على الواردات “بشكل مفرط” خاصة في الدول التي تعتمد على مصدر دخل واحد مثل السلطنة. فالعلاقة بين المؤسسات الإنتاجية والاستهلاك المحلي يتسم بالضعف. وترابط النشاط الاقتصادية للمؤسسات الإنتاجية ضعيف نظرا لعدم تنوع الهياكل الإنتاجية (راجع مقال “اصلاح الهياكل الانتاجية وتدفق الدخل والانفاق في الاقتصاد” في أثير بتاريخ 2 نوفمبر 2016).

إذًا كيف تستطيع الحكومة التوفيق بين سياستها المالية الحالية وتوليد فرص عمل للمواطنين؟

الحقيقة البسيطة هي، ومرة أخرى وللتأكيد، توفير بيئة داعمة للنمو عن طريق الاستمرار في تشجيع المؤسسات الإنتاجية، وخاصة المؤسسات المتوسطة والصغيرة وتوفير البيئة المثالية لها ولريادة الأعمال. “قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة في كل شيء لم يرد فيه نص شرعي” ولتكون قاعدة الأصل في ممارسة الاستثمار سواء كان ذلك أنشطة تجارية، أو صناعية، أو زراعية الإباحة وأن يقتصر دور الحكومة في التنظيم والمراقبة والتدقيق والتدخل اذا تطلب الأمر ذلك.

واذا ما تم ذلك، ستتنوع القاعدة الإنتاجية ويتحقق النمو وستتولد فرص العمل ويزداد الدخل العام من الضرائب والرسوم.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق