د.عبدالله باحجاج يكتب: الأزمة الإعلامية الخليجية .. تجارة عابرة بين الحدود.

أثير- د.عبدالله باحجاج

لم نكن نحبذ الدخول في متاهات الأزمة الإعلامية في الخليج ، لعلمنا بأنها قد أصبحت بلا أخلاق – لن نعمم –  ولا الاقتراب من قضايا الحق التي تميل لطرف ضد آخر ، لوجود شبهات المتاجرة بالمبادئ ، لكن عندما يراد لها أن تصبح تجارة عابرة داخل الحدود الخليجية ، تستهدف اختراق المؤثرين في صناعة الرأي العام ، لابد أن نفتح ملفها لدواعي زيادة الوعي وإحكام منافذ بلادنا من دخول تجارة شراء الضمير وإفساد الأخلاق ، فكيف نحصن بلادنا منها ؟

ومن كثرة البائعين ، وتزايدهم ، ومخاوف انتشار هذه التجارة ، لوجود بيئات داخلية مواتية لها ، ومن علمنا بالإغراءات المالية الضخمة للشراء .. يجعلنا نتساءل افتراضا :

س:  هل هناك دولة خليجية لم تسلم من هذا الاختراق الجديد حتى الان ؟ التساؤل لا يجزم يقينا على التعميم والشمولية ، لكنه يفتح الآفاق لقدرة هذا الاختراق ، والوصول الى الفاعلين المؤثرين سواء في الاعلام التقليدي أو الجديد ، كوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الاخبارية .. الخ .

س: وهل تشريعاتنا التي تنظم مشهدنا الاعلامي التقليدي والالكتروني واعية ومحصنة من أية اختراقات ؟

  •  اسباب نجاحات الاختراق ؟؟

 سنجدها في حجم المال المخترق به ، حيث يدفعون مبالغ شهرية قد تصل الى ( 7) آلاف ريال ، كشفه لنا مصدر خليجي على اطلاع بملف الاختراقات ، وهذا مبلغ مغرٍ جدا ، وله بريق جاذب في النفسيات التي تعاني من مشاكل مالية ، أو من لديهم جموح الثراء تحت نفسيات ضعيفة ، وما تفعله الانظمة الخليجية الان من تفقير شعوبها بسبب سياسات مالية وضريبية مؤلمة ، تحطم قوى الصمود والمواجهة الداخلية عند الكثير من هذه النخب ، لذلك ، نعد كل البيئات الداخلية في الدول الست مهيأة لهذا الاختراق الجديد ، وكلما ذهبت بعيدا واصرارا في منظومتها الضريبية ورفع الدعم عن خدماتها لمجتمعاتها ، ستفتح كل ابواب الاختراق أمام المال الآتي من خارج حدودها .

مما قد نشهد ضياع الحقيقة  عبر وسائل الاعلام التقليدية والالكترونية ، مثل ما يحدث حاليا عن البعض ، لأن هذا النوع من التجارة / الاختراق ، أول ما تفعله أنها تكسر كافة القيم والمبادئ التي تربينا عليها ، وتلك التي اطرتنا واسستنا في هذه المهنة ، مهنة الاعلام والصحافة وتشكيل الرأي العام بقضايا الحق والعدالة .

فثقافة الدفع ، قد أصبحت وراءها منظومات اعلامية اقليمية ضخمة ، ملكت الاموال الوفيرة رغم القحط والسنوات العجاف ، واصبحت تغدقها على كل مؤثر يجرد نفسه من منظومته الاخلاقية والمهنية ، وكلما يتجرد المرء من اية اعتبارات  يكون ثمنه مرتفعا ، رغم ان مجتمعاتها اولى بها ، وفي أمس الحاجة لها .

  • الاختراق الجديد .. وتقاطعه مع القديم .

اعتادت منطقتنا الخليجية ، على اختراق النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية  و(…) من خارجها ومن داخلها ، لكنها لم تعتاد على اختراق النخب الاعلامية – الاعلام الجديد ،، تويتر الفيس بوك ..الخ ،، خصوصا ابان الازمة الخليجية الراهنة بعد ان ظهر الاعلام الجديد كوسيلة مؤثرة في صناعة الرأي العام .

لكن لماذا ؟

لا يمكننا أن نحصر الاهداف المتوخاة من هذا الاختراق الجديد ، في الازمة الخليجية الراهنة فقط ، بل تتجاوزها بكثير ، لكنها تنطلق منها تأسيسا ، وانطلاقة ،  فلا يمكن فصل عملية اختراق المال الخليجي للجغرافية الاقليمية ، دون أن نربطه بالأجندة المعلنة وغير المعلنة لمنطقة الشرق الأوسط  عامة والخليج خاصة ، وما يخطط لها من تحولات ومتغيرات جيوسياسية وجيوبولتيكية ، من هنا تستدعي مصلحة دول المال المخترق به ، السيطرة على الرأي العام الخليجي في مرحلة إعادة الخارطة السياسية للخليج .

وكل من يطلع على ما يخرج من مراكز الدراسات العالمية ، وما يروج لها بعض النخب الخليجية المرموقة ، واللصيقة بمركز صناعة القرار الخليجي ، سوف يتضح له ملامح التحولات والمتغيرات التي يخططون لها ، ويتزامن مع هذا التخطيط الذي تباركه كبرى القوى العالمية التقليدية ، عملية السيطرة على الفضاءات الاتصالية ، سواء من خلال انشاء القنوات الفضائية ، فمثلا ، من بين (1230) قناة ، تسيطر على اغلبها دولتان اقليميتان ، الاولى بنسبة ( 14%) والثانية بنسبة (13،3%) أو من خلال شراء ذمم الممارسين والمهنيين في الاعلام .

  • حصانة إعلامنا من الاختراق الجديد.

التساؤل المنهجي :

س: الى مدى اعلامنا – بشقيه التقليدي والجديد- محصن من الاختراقات الاقليمية وحتى الاجنبية ؟

ولدواعي الموضوعية ، ومنهجية التحليل ، نجد تساؤلا آخر مركبا يفرض نفسه هنا ، ويستوجب طرحه ، وهو :

س: هل طالنا هذا الاختراق ؟ والى أي مدى ؟

من حيث المبدأ :

لا يمكن ان تكون بلادنا مستثناة من اية اختراقات اقليمية وعالمية  ، بل تجد نفسها في قلبها ، لمركزيتها ومواقفها الاقليمية والعالمية ، وكذلك ، لموقعها الجيوسياسي – والاستراتيجي ، وهناك سبب آخر ومهم ، وهو فعالية إعلامها الجديد ، وتحديدا وسائل التواصل الاجتماعي  في التأثير على الرأي العام ، والقرارات الحكومية .

كما أننا نطرح التساؤلين سالفي الذكر ، من رؤية استشرافية ، فاذا كان الحاضر خاليا من اية اختراقات ، فإن المؤشرات تشير الى أننا قد نقع في دائرة الاستهداف مستقبلا ، لأن اجندة الاختراق أبعد من التعاطي مع الازمة الخليجية الراهنة ، كما اوضحنا ذلك سابقا .

 وبصرف النظر عن البحث في قضية الاختراق الداخلية من عدمها ، فإن المصلحة الوطنية تحتم زيادة الوعي العام في بلادنا بكل الخلفيات والأبعاد الاقليمية ، وجعلها حية ومتوقدة في الذهنيات العامة ، وبالذات عند الممارسين لوسائل الاعلام المختلفة ، لحملهم على الالتزام المهني والاخلاقي ، وقطع الطريق امام من يرى أن ضعفه امام الاغراء المالي قد يدفع ثمنه غاليا .

والاهم هنا ، اصدار القانون الجديد للإعلام  العماني ، الذي طال انتظاره كثيرا ، فالذي يحكم الآن مشهدنا الاعلامي بثنائيته التقليدية والالكترونية في العصر الرقمي ، قانون قديم من ثمانينيات القرن الماضي ، فكيف يحكم الماضي الحاضر بتطوراته الدراماتيكية الرهيبة بعد ان اصبح الاعلام الجديد المكون من وسائل التواصل الاجتماعي واذاعات ال اف ام والمواقع الاخبارية تسحب المتلقين من الاعلام القديم ، عبر التفاعل المباشر مع قضاياهم ، والانحياز لهم ، والتأثير على قرارات الحكومة .

  • تساؤلات دون إجابة ؟؟

س: لماذا لم يصدر قانون الاعلام الجديد حتى الآن رغم انه اشبع نقاشا واستشارات من جهة عديدة ؟

س: وهل في مسودته ضوابط تنظم الفضاء الالكتروني للتغلب على المواقع مجهولة الهوية والمصدر ؟ وما يطرحه هذا التساؤل من الاهمية الوطنية العاجلة التي ستساعد في سد ثغرات الاختراقات الاجنبية ، فمعظم الاختراقات تستهدف المواقع المجهولة في إطارها العام ، والمعلومة في نطاقها الخاص جدا ، وقد يكون وراء إنشائها دوافع اختراقية .

س: هل القانون الجديد ، يضمن فضاءات الحرية في العصر الرقمي أم يحد منها ، مما قد يدخل بلادنا في اشكاليات داخلية وخارجية ؟

أخيرا :

ماذا نريد من قانون الاعلام العماني الجديد ؟

نريده ضامنا وحاميا للحرية في كل الفضاءات الالكترونية والواقعية ، لكن يظل ممارسوها – اي الحرية – مسؤولين عنها قضائيا ، سواء كان الممارسين في وسائل الاعلام التقليدية أم الحديثة ، وهذا ممكن عن طريق تحديث القوانين والتشريعات ، شريطة ان تتم صياغتها من رؤى منفتحة على العصر وآفاقه المقبلة ، وتحدياته الداخلية والخارجية .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock