حارس الشمس للشاعر الكبير منوّر صمادح كتاب لعادل الجريدي

محمد الهادي الجزيري

لئن كانت الثقافة هي رافد الشعوب ومقياس رقيّها وتطوّرها، فإنّ المثقفين والمبدعين علامات مضيئة في حياة شعوبهم، والنبض الحيّ الذي يضخّ الحركة في شريان أوطانهم، لذلك وجب علينا حمايتهم من غبار النسيان والإهمال، والاغتيال الرمزي الرامي إلى شطب أسمائهم من الذاكرة تماما..، هكذا افتتح عادل الجريدي كتابه” حارس الشمس” عن شاعر العبقرية والجنون منّور صمادح، وقسّمه إلى مختلف الأقسام ..مبيّنا في كلّ قسم جانبا من حياة الشاعر ومدوّنته وما اعترى ذلك من ضربة حظّ ومن ألاعيب القدر….

في حديثه عن عصاميّة الشاعر تطرّق الباحث إلى ستّ نقاط طعّمت موهبته وحثّته على المضي قدما نحو الهدف الذي يصبو إليه، وهذه الستّ النقاط كانت كما يلي:

التطعيم الأوّل : مسقط رأسه الذي يتميّز بعمقها الصحراوي وبالبلاغة والشعر ومجالس العلم وكثرة المكتبات والكتاتيب….

التطعيم الثاني : والده الشيخ ابراهيم صمادح الذي درس بالجامع الأعظم وتخرّج من جامع الأزهر الشريف بالقاهرة..، إضافة إلى لقبه العائد إلى مدينة الصمادحية المعروفة بالمرية بجنوب اسبانيا.

التطعيم الثالث : سنواته الأولى التي قضّاها في الكُتّاب بين الحفظ والترديد…

التطعيم الرابع : خاله محمد الناصر الأديب والشاعر الفحل الذي رعاه في مرحلة صباه الأوّل وشجّعه على مطالعة الصحف والمجلات والنشاط ضمن الحركة الكشفية…

التطعيم الخامس : ارتجال قصيدة أمام الزعيم الحبيب بورقيبة وعنوانها ” نار القول ” سنة 1949 وسط تصفيق جماهيريّ كبير..وتشجيع خاصّ من الزعيم الذي قبّله وحثّه على المثابرة….

التطعيم السادس: المتابعة والرعاية الفنية التي أحاطه بها الأديب الكبير مصطفى خريّف من نصح ومراجعة لمشاريعه الإبداعية…

وهكذا نرى أنّ الشاعر كان محاطا في أغلب فترات حياته بسند قويّ..مكّنه من بلوغ المكانة التي احتلّها عن جدارة وتميّز..فقد صارع الشاعر الأميّة وهزمها مواصلا تمارينه الأدبية بين آناء الليل وأطراف النهار، فتعلّم قواعد اللغة وفنّ العروض وصياغة المقالة ..واجتهد وكان له ما أراد من مجد وشهرة ومكانة مرموقة قبل أن تلعب السياسة ألاعيبها القذرة…

كان الحراك الشعريّ في أوج عطاء منوّر صمادح متعدّد وثريّ إذ شهدت الساحة الإبداعية التونسية عديد الأسماء المتميّزة نذكر منها محمد الشاذلي خزندار ـ سعيد أبي بكر ـ الشاذلي عطاء الله ـ الطاهر القصار ـ الصادق مازيغ ـ مصطفى خريّف ـ أبو القاسم الشابي وغيرهم وقد وجد الشاعر في معمعة هذا الحراك الهائل من الأفكار والأحلام..، فلا عجب أنّه كان ترجمان مرحلة مزدحمة بالأحداث والصراعات من أجل الاستقلال ورسم الآفاق التحررية

ومن أجمل ما قاله الشاعر وظلّ راسخا في الأذهان ..:

شيئان في بلدي قد خيّبا أملي… الصدق في القول والإخلاص في العمل

وكانت بداية القطيعة بين الشاعر والزعيم فاشتدّ عليه الألم النفسي وتهاوى تدريجيا للجنون.

ختم عادل الجريدي كتابه عن هذا الفذّ العبقريّ ببيوغرافيا لمنوّر صمادح تحصره في الزمان والمكان فنقرأ أنّه وُلد في 17 سبتمبر 1931 بمدينة نفطة ، وأنّه انتقل سنة 1950 إلى تونس وسجّل بجامع الزيتونة للدراسة وغادره بعد بضعة أسابيع..، ونطالع كونه أصدر 1954 ” الفردوس المغتصب ” أول ملحمة وطنية تونسية، كما نقرأ أنّه شارك سنة 1965 في المؤتمر الخامس للأدباء العرب ببغداد وألقى محاضرة بعنوان ” الغزو الفكري ” وأنشد قصيدة ” على ظهر الأسد ” قبل أن تتأزم علاقته بالسلطة إثر تتبعه أمنيا وكان ذلك 1967 وكانت أولى أزمات الشاعر النفسية ..وتتأرجح صحته بين شفاء وسقم إلى أن يتوفاه الله سنة 1998 ..رحم الله فقيدنا العزيز ..وسيظلّ صوته صادحا أبد الدهر:


فتكلــــــم وتألـــــــم ولتمــــت في الكلماتْ

وإذا مـــا عشــــت فيــهم فلتكــــن الكلمات

شاهــــــد أنت عليهــــم وعليــــك الكلمات

يهــــدر الشاعر في الناس وتحيا الكلمات

ويموتـــون بلا ذكرى وتبـــــــقى الكلمات

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق