مكتفيا بالليل لحسن المطروشي

” قال شاعرهم : يا رفاق

أمّا أنأ فسأبقى

كما أنجبتني الطبيعة…طائرْ..”

محمد الهادي الجزيري

هل نكتفي بالتثمين والإعجاب بما ورد من شعر في مجموعة ” مكتفيا بالليل ” لحسن المطروشي والحال أنّها حازت على جائزة أفضل إصدار شعري عماني للعام الجاري التي تمنحها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء..، أم نفتح الكتاب ونوغل فيه ..في أدغاله وحدائقه نتذّوق ما عرض علينا من ثمار لحظاته الشعرية..، ذاك ما سنفعله مؤمنين بأنّه من أشدّ الكتّاب تمسّكا بمسؤولية الإبداع رغم صعوبة ذلك في خضم الزحام الشديد للحابل والنابل…

منذ البداية يعترف الشاعر بديونه وأكبر من أقرضه الحياة ولم يطالبه بشيء ..هو الحضن الذي تربّى فيه وشبّ على ما تعلّم منه..، إنّها الأمّ التي ألهمته كلّ هذا البهاء وأوحت له كلّ هذا البوح السريّ باسم الفقر والشعر والأغنيات..، إنّها معدّة القهوة والطعام والحنين ..مدين لها بكلّ شيء حتّى الممات..:

” مدين لها يا إلهي

مدين لها

بالحكايات في حيّنا

برغيف الصباح البعيدِ

بأحزانها،

بالرحيلْ

مدين لها

أُمّ هذا الندى والنخيلْ “

في قصيدة تقّمصات رجل وحيد، ثمّة سطر شعريّ هزّني بقوّة ، وهو:

” يقظ بما يكفي ليربكَ عاصفة “

أحيانا يكتب الشاعر قصيدة كاملة وينسى أنّه قال فيها ذروة الشعر، مثلما وقع لحسن المطروشي في هذه المرّة..، فكم نحتاج اليقظة لكي نربكها هذه العاصفة، إنّها عاصفة في دواخلنا وحولنا وفي كلّ مكان..، لكننا قادرون على إرباكها بالانتباه والحذر والتحديق فيها وهي تهمّ بأيّ شيء في ملكوتنا ..، سنوقفها هذا العاصفة ما دام فينا هذا الشاعر المرهف الحزين الذي يعي دوره تماما ..، فإمّا هو ونحن وإمّا العاصفة التي لا تبقي على أيّ شيء..

” لئلا تكبري ” قصيدة أخرى يبوح خلالها على غرار الشعراء الكبار مثل الخيام والمعري وابن الفارض ودرويش وغيرهم ..بأنّه كائن متحوّل لا علاقة له بالموت ومشتقاته ..

” لم يكن قلبي

سوى عشب بدائيّ

ولاكته الوعولُ “

ذاك الشاعر الذي يعتقد أنّ قلبه ما كان سوى عشب بدائي ولاكته الوعولُ..، وكم مرّة يتحوّل هذا القلب إلى نبتة قديمة تقضمها وتجترّها الماشية ..وكم سنصدّق المبدع حين يهرب إلى الخيال والحلم ..، هل له مفرّ إمّا الهلاك أو التمنّي بالتحوّل والعيش في فكرة جميلة ..بدل السقوط في يد هادم اللذات ومفرّق الجماعات ..ألا وهو الموت..

في قصيدة أحلام يوزع الكلام على الجميع ثم يقول قولة حقّ ..

” قال شاعرهم : يا رفاق

أمّا أنأ فسأبقى

كما أنجبتني الطبيعة…طائرْ..”

نعم يبقى الشاعر طائرا محلّقا أعلى فأعلى..فوق الجثث التي تنتشر في عالمنا هذا..، يبقى عنوان الحرية والصفاء والرفعة والرفض لكلّ ما هو دنس وجبن ورذيلة وخيانة..، يبقى طفلا جميلا يلهو بأشياء عالمه ..قد يكسر شيء لكنه لم يكن ينوي كسره ..ذاك قدره ملاقاة الشاعر الطائر وهو من معدن جاهز للانكسار….

في قصيدة ” لم أقل إلا القليل “

” أنا لم أقل شيئا

لجارتيَ الجميلةِ

منذ أعوام سوى:

” أهلا.. صباح الخير “،

ثمّ ألوذ بالصبر الجميل…”

وكم كتمنا حرائقنا في دواخلنا ..لكنّه الشاعر عكس الجميع يقول في هذا القليل..ما لم يقله لجارته الجميلة..ويكفي أن نتبع خيالنا وأوجاعنا لنسمعه عوض التشدّق والتلطّف ” أهلا ..صباح الخير ” يقول ما أخفاه في قلبه لسنوات….

في قصيدة ” صعود ” صوفية عالية يحسم بها الخطب والمواعظ والدروس ..، إذ يقول:

 ” سأعود إلى الملكوتْ

ليس ثمّة ما يُغري

في هذا العالم

يا أمّي،

لا الحرب ولا الكهنوتْ

هيّا قومي،

سنعود إلى بطن الحوتْ “

إذ ينغلق على نفسه في وجه الحرب والمساوئ الكثيرة ..ويفرّ بأمّه خير الناس بالنسبة له إلى بطن الحوت ..كمأوى للغريبين الذيْن لم يجدا مكانا لهما في العالم .

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق