د.عبدالله باحجاج: الشجرة المقدسة في ظفار .. أغلى من النفط

أثير
عبدالله باحجاج
د.عبدالله باحجاج

من يقرأ كتب التاريخ القديمة والحديثة عن شجرة اللبان التي تتميز بها محافظة ظفار دون غيرها من محافظات البلاد ، سيجد الكثير من الصفات قد أطلقت على شجرة اللبان ، ومن أبرزها تلك الصفة التي التصقت بشجرة اللبان كما في عنوان المقال ، وذلك لاستخداماتها الدينية قديما ، والطبية حديثا / قديما ، وفي كل يوم تزداد اهميتها المتعددة على مختلف الصعد ، ومن بينها العالمية.

لكن على صعيد واقع هذه الشجرة ، لا تعكس علاقتنا بها ، تلك الاهمية العالمية المتزايدة بها ، فهذه الشجرة لا تلقى الاهتمام المحلي اللائق حتى الان ، فهي تتعرض لاعتداءات متكررة من قبل متسللين ومقيمين ، سيعرضها للانقراض اذا  لم تتدخل الدولة بكل مؤسساتها المختلفة ، والاعتداء يتم من قبل متسللين عبر الحدود وأغلبهم من جنسيات صومالية واثيوبية، ويحملون بطاقات لاجئين في اليمن يتمكنون من التسلل إلى بلادنا، والتوغل في الجبال .

والمشكلة هنا ، أن عملية استخراج  اللبان من الشجرة ، لا تتم وفق الممارسات الصحيحة، وإنما تتم بأساليب خاطئة يجمع عليها الخبراء ، بأنها سوف تؤدي إلى هلاك الأشجار، والكل من مؤسسات وجماعات محلية يعرفون هذه القضية ، لكنهم صامتون .

وقد تناولناها  في مقالات سابقة ، لكن لا حياة لمن تنادي ، ونثيرها مجددا ، بعد أن تابعنا اهتمام جامعة ظفار منذ ثلاث سنوات تقريبا بهذه الشجرة ، وتوصلها لنتائج مذهلة ، وقيادتها جامعات عالمية عريقة من ألمانيا واستراليا وكوريا وبريطانيا على اجراء دراسات معمقة ، وذات أبعاد استراتيجية جديدة من حيث المردود المالي للبان  وعلاقته – أي اللبان- بمعالجة بعض الامراض المستعصية .

كما رصدنا مؤخرا ، اجانبا مقيمين ، قد تركوا مهنتهم الاصلية التي بموجبها دخلوا البلاد ، واكتسبوا صفة الاقامة القانونية ، وبعضهم كانوا اطباء ، قد هجروها ، واحترفوا مهنة شراء اللبان ، وتقطيره أو ارساله الى اوروبا ، وهذه ممارسات غير قانونية – للاسف – لم تحرك المؤسسات كذلك ، لماذا ؟

من هنا ، نتساءل :

س : هل وضع شجرة اللبان – ثروة البلاد القديمة /الجديدة – في مستويات اهميتها التاريخية والمعاصرة ؟

س: هل انكشاف اهميتها الاقتصادية والطبية الحديثة ، سيحرك اهتمامات المؤسسات والجماعات المحلية بهذه الشجرة؟

س: هل سيبادر مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار قريبا بحملة وطنية لزراعة المزيد من اشجار اللبان بعد هذا الاهتمام العالمي ؟

  • شجرة اللبان .. تنتظر التوجيهات الفوقية .

نثير هنا قضية غائبة أو مغيبة عند الاغلبية المؤثرة من مؤسسات حكومية وكيانات اجتماعية ، لا تعطي لمثل هذه القضايا العامة ، الاهتمام الوطني بها ، ربما لاعتقادهم بأنها ، هبة من الله ، والله عز وجل كفيل بحمايتها ، أو الاعتقاد – كما كان سائدا قديما – أن وراء هذه الشجرة قوى خفية تحميها ، وقوى تضع فيها الأثر للكثير من الامراض ، وبالتالي ، فهي ليست بحاجة للبشر.

لكن ، الآن بعد الوعي الجديد ، وبعد اقامة الدولة مؤسساتها على كل ربوع بلادنا ، تعد تلك الاعتقادات استخفافًا بالعقل ، ومن قبيل السخرية ، وتظل الحقيقة الثابتة ، أن لهذه الشجرة فوائد كثيرة ومتعددة ، لن نغرق في الجانب التاريخي – فهو معروف – ولن نستدعي كذلك ما قيل قديما عن أهميته الطبية – فهو كذلك معروف – ويمكن أن نحيلكم الى كتاب الطب النبوي لابن القيم على سبيل المثال ، كما يمكننا ان نحيلكم الى الكثير من المراجع التاريخية التي تتحدث عن استخدام اللبان كعلاج .

وانما سنركز هنا على أحدث الجهود المحلية والعالمية واكتشافاتها للقيمة المتزايدة للبان الظفاري ، وكيف يمكن أن يشكل ثروة وطنية لبلادنا من المنظورين الاقتصادي والطبي ؟

  • شراكة علمية بين جامعة ظفار ونظيراتها الألمانية .

تشكل هذه الشراكة ، العنصر الجديد ، والبارز الذي نراهن عليه كثيرا ، فالجامعة تقود الآن تحولا اكاديميا في مسيرتها المرتبطة ببيئاتها المحلية ، عبر تفعيل الاستفادة من شجرة اللبان في مجال الأبحاث العلمية، وتطوير مستخلصات يمكن استخدامها مكملات غذائية على نطاق علاجي لبعض حالات السرطان.، وقد وقّعت مؤخراً عقد شراكة مع كبريات الجامعات والمعاهد والشركات الألمانية؛ وذلك لإنتاج مستخلص اللبان لأبحاث السرطان وأمراض المناعة الذاتية.

وقد عقدت جامعة ظفار مؤخرا الندوة العالمية الاولى حول اللبان والنباتات الطبيعية في محافظة ظفار ، حضرها خبراء وكفاءات في مجال اللبان من المانيا واستراليا وبريطانيا ، وفي كلمة افتتاح هذا الندوة اشار  الدكتور حسن كشوب رئيس الجامعة الى أن  70% من  التنوع الأحيائي موجود في محافظة ظفار ، موضحا  أن 80 نوعا من هذه النباتات تنفرد به المحافظة فقط، ومن الممكن تطوير منتجاتها واستثمارها تجارياً.

  • اللبان .. أغلى من بالنفط .

وقد حاول رئيس جامعة ظفار  في كلمته الافتتاحية ان يلفت الانتباه الى المردود المالي للبان ، وإمكانية ان يكون مصدرا مستداما للدخل في بلادنا ، وذلك عندما قارن سعره بسعر النفط ، قائلا ، إذا كان سعر برميل النفط اليوم في حدود الـ 50 دولارا، فإن سعر كيلو اللبان قد يصل إلى 30 ريال عماني أي في حدود  75 دولارا أمريكيا .

ثم تساءل رئيس جامعة ظفار قائلا ، ولكم أن تقدّروا قيمة العائد الاقتصادي المتوقع من هذا المنتج الوطنى إذا ما وجد الاهتمام المطلوب ، فضلا عن إمكانية حصول الدولة منه على القيمة المضافة المطلوبة لدعم الاقتصاد الوطني، إذا ما تكاملت كافة الجهود نحو الاستفادة من هذا المنتج في الصناعات الصيدلانية والمستحضرات الطبية والتجميلية وخلافها.

فهل ستدعم الحكومة مثل هذه الجهود الاكاديمية العلمية بعد ما كشف كشوب عن المردود المالي للبان يمكن أن يعزز جهود الدولة في تنويع بنية اقتصادنا الوطني ،ويدفع بالدولة الى الوصول الى مرحلة ما بعد النفط قبل أوانها؟ أم ستكون صرخة كالصرخات الاخرى في واد سحيق ؟

وكان قد نقل عن رئيس الجامعة قوله كذلك إن بحوث وتجارب الجامعة أظهرت نتائج مبشّرة في إمكانية التوصل لمراهم علاجية من مستخلصات اللبان للعديد من الأمراض؛ منها الحروق الجلدية والتهابات المفاصل، كما أثبتت التجارب فاعلية مستخلص يمكن أن يستخدم كمكمل للنظام العلاجي لبعض حالات سرطان الدماغ.

وترى المصادر أن الشراكة بين جامعة ظفار وجامعة ألبرت – لدويجز، ومعهد المنتجات الطبيعية لعلوم الصيدلة الإكلينيكية الألماني (ULM)، وشركتي /‏‏‏Viva Cell/‏‏‏ و/‏‏‏4HFBiotechnology/‏‏‏، تعد الأولى من نوعها في المنطقة في مجال استخدام مواد من البيئة العمانية كاللبان لعلاج الحروق والجروح والحساسية والتهاب المفاصل وأبحاث السرطان.

وهذه الشراكة أكبر دليل يثبت لنا الاهمية الطبية للبان الظفاري ، ولماذا اللبان الظفاري حصريا ؟ لأنه يعد من أجود أنواع اللبان في المنطقة ، وينقسم من حيث الجودة إلى أربعة أنواع أجودها اللبان الحوجري ويليه في الجودة اللبان النجدي وفي المرتبة التالية يأتي اللبان المسمى بالشزري أما أقل الأنواع جودة فهو النوع المسمى بالشعبي .

وهذه الاهمية الطبية للبان الظفاري ، ومستقبلها في التطبيب ، يدلل عليها كذلك ، وجود خطة لجامعة ظفار لتأهيل الكفاءات العلمية العمانية بالتعاون مع الجامعات الاوروبية في تخصصات التكنولوجيا الحيوية وكيمياء النباتات الطبية والكيمياء الحيوية .

أخيرا :

من المسؤول عن شجرة اللبان ؟

هناك تعدد مؤسساتي كبير ، يمكن حصره في (5) كيانات معنوية عامة ، بعضها من الوزن الثقيل ، تدعيما للجهود العلمية الكبيرة سالفة الذكر ، إذ لا يمكن أن تعمل هذه المؤسسات العلمية بمعزل عن تلكم المؤسسات من حيث تكامل الأدوار وتنسيقها ، وتعزيزها .

 ونقترح تشكيل لجنة مشتركة منها ، تعنى بهذا الكنز العماني الذي كان له دور كبير في اقتصاد محافظة ظفار على مر العصور ، والان يتعزز هذا الدور بعد ما كشفه كشوب من مردود مالي كبير للبان في الاسواق العالمية مقارنة بسعر النفط حاليا .

وأول باكورة عملها ، حث (455) ألف نسمة هم سكان المحافظة على أن يزرع كل واحد منهم شجرة في بعض الاودية التي تتميز بجودة لبانها ، والعمل في الوقت نفسه على الحفاظ على اشجار اللبان من التصحر والرعي ومن المتسللين ومن التجارة غير القانونية ، واقامة مصنع للبان ، يسهم فيه الاهالي لرفع مستواهم المعيشي.

واعتبار يوم (21) يونيو من كل عام مهرجان اللبان ، ففي هذا اليوم يبدأ فلكيا خريف ظفار ، على أن يستمر مهرجان اللبان طوال مهرجان الخريف ، وهذا التزامن سيجعل من هذه الفترة الزمنية ، عنصر جذب سياحيا إضافيا ، كما سيكون وسيلة تسويقية للبان في الداخل والخارج ، كما سيعلي من شأن هذا الكنز العماني على مختلف الصعد .

للموضوع تتمة حول الجهود العلمية  المحلية والعالمية لمستقبل اللبان الظفاري من المنظور الاقتصادي والطبي .

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً