علي المنجي يكتب: كيف نجدد الوقف ونجدده؟

علي بن صالح المنجي

تنهض الأمم بأعمالها الجماعية بسرعة هائلة، وتحقق نتائج عظيمة عندما تتظافر الجهود وتحقق الاستمرارية، ومن أهم الدعائم التي قامت عليها الحضارة الإسلامية منذ نشأتها وفي أوجّ سطوعها عنايتها بالوقف لكل الأعمال التي يحتاجها المجتمع في كل عصر من العصور.

لقد كان للوقف دور مهم في شتى مناحي الحياة فهو طريق يصل المرء بالآخرة ويحقق في الوقت نفسه منافع دنيوية لكل ما وقف لأجله، وبئر رومة شاهدة على ذلك الوقف التي اشتراها عثمان بن عفان عندما أوقفها في المدينة المنورة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم – ثم توالت أعمال البر حتى وقتنا الحاضر.

وفي عمان لو أحصينا أعمال الوقف التي بقيت شاهدة إلى وقتنا الحاضر وبعضها اندثر لتعجبنا من العناية بأدق احتياجات الناس واحتياجات القرى فترى أشكالا متنوعة كوقف لمسجد بعينه أو لعابري السبيل ولخدمة المقابر وللأكفان ولفطرة رمضان ولتعليم القرآن الكريم وخدمة طلبة العلم ولإنارة الطرق وللأفلاج وللأيتام والعجزة والمعسرين وآبار المياه ولأبراج الدفاع عن القرى وغيرها من أنواع الوقف، ومثلت النخلة والمزارع أكثر الأوقاف بعضها بقي ما دامت العناية به وبعضها اندثر.

تحت مبدأ حديث رسول الله صلى عليه وسلم” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له” صدق رسول الله –  وذكر العلماء أن الصدقة الجارية التي تستمر بعد مماته  هي الوقف، هناك من يوقف هروبا من الضرائب كالنظام الرأسمالي وهنا من يوقف رغبة ، أما الجمعيات الخيرية التي ليس لها أوقاف تقوم عليها لا تستطيع الاستمرارية بدون شيء يضمن التدفقات المالية.

إن الحاجة اليوم إلى تطوير الوقف وتجديده أشد إلحاحا وإعادة ترتيبه أولوية قصوى لدى الجهات المعنية من الدولة أو المجتمع ، بث روح التنافس يحتاج إلى تبسيط الإجراءات وأذرع استثمارية تضمن الديمومة وطرحها كأسهم توفر لها مشاركة واسعة من كل شرائح المجتمع.

من أهم الأسباب التي تعجل بسقوط الرأسمالية المتوحشة أن المال بيد فئة قليلة جدا مما يتسبب في فروقات شاسعة بين أفراد المجتمع وتضخم كبير مع مرور الوقت ولا تبالي بغيرها ، أما في النظام الإسلامي فالثروة للجميع من خلال النظم التي اتبعها وأهمها نظام الوقف الخيري الذي يستمر لأجيال متعاقبة وهو عبارة عن حبس عين الثروة كانت مزارع أو عقارات وغيرها لشيء معين كالطب والتعليم واطعام الفقراء ويتم استغلال مدخولات تلك الثروة ويقوم عليها أشخاص ثقات يعينون من قبل المجتمع بالشركة مع القضاة ومن خلال هذه الشراكة يتحقق للدولة منافع جليلة أهمها تخفيف العبء المالي عنها وكذلك تحقيق الاطمئنان بين أفراده وإحساس الفرد بأن له أهمية في مجتمعه.

إذا ما أردنا أن نحقق قفزة نوعية في المجتمع علينا أن نعيد للوقف بريقه وألقه، بتجديد أنواعه وطرق مبتكرة لإدارته مع توفير الأنظمة والتشريعات التي تحقق ديمومته كطرق تسجيل ملكياته، فمكاسب الوقف عظيمة وتستحق العناية والتمكين، فهو شراكة مجتمعية راسخة برسوخ الدين الإسلامي في أي مجتمع وتحقق احتياجات أفراده وطموحاتهم الموقف والموقوف له في الدارين.

لدينا في السلطنة 11 محافظة حسب التقسيم الإداري للدولة، نحتاج إلى مجلس للوقف يقوم بتهيئة المناخ الملائم لأعمال الوقف بالتعاون مع جهات قضائية ، وكل مجلس ينشئ أذرعا استثمارية يطرح كاكتتاب وتوقف لأهم احتياجات كل محافظة، مع توفير أراض لإقامة عقارات أو مصانع أو غيرها من الأعمال التي من شأنها أن يتسارع عطاء المجتمع وتتظافر الجهود وتسهم في دفع عملية الوقف إلى المزيد من العطاء وتضمن كذلك مزيدا من التطوير للمعسرين الاستمرارية ، عندما تكون الظروف مهيأة له وحقوقه مضمونه وفي أيد أمينة تحسن إدارته ،ويمكن الاستفادة من الوقف في التعليم والصحة وخدمات رعاية ومراكز أبحاث ، وخدمات عامة وغيرها من المجالات وهذ الأمر سيحقق تنافسا بين المحافظات وأصحاب الأموال وفي البداية يمكن أن تطبق الفكرة في محافظة بعينها ولنتذكر دائما بأن الوقف حياة جديدة تمتد أعواما مديدة للواقف والموقوف له ونحن أحوج له اليوم من أي وقت مضى.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً