طريق الحرير ليوسف ضمرة حكائيّ من طراز رفيع

محمد الهادي الجزيري

سيقرأ مقالي باستغراب وهو يحدّث نفسه:

” عجبا كيف تذكّرني في زحمة العلاقات والالتزامات ..، يحيا الأدب يبقى جسرا ممتدّا بين الناس ما داموا على قيد الحياة ..”

لكن ما فات يوسف ضمرة أنّ حادثة وفاة زوجته الفاضلة قد حرّضني على العناية به ..، كيف يمكنني التخفيف عليه والفقد ثقيل..، لا شيء يقدر أن ينسيه كائنا قضّى معه مسافة العمر والحلم والهزيمة والعناد ..، فقط نحاول فعل ذلك…

أهداني كتاب ” طريق الحرير ” في الأردن سنة 2014 ومنذ ذاك الوقت والكتاب مركون في ركن من المكتبة..وها إنّي أفتحه وأوغل فيه ..حقيقة إنّها نزهة رائقة في خضمّ عقل وقلب ونفس كاتب أهدى حياته لوهم جميل ..ولعلّه على حقّ ..من أدرك السعادة والسكينة والاتزان إلاّ راسم عوالم سحرية كهذه المسمّاة ” طريق الحرير “….

يفتتح كتابه بقصة ومضة أو قصيرة ( لم أعد أدري ماذا أسمّيها )

اختار لها من الأسماء ” حفر على الخشب ” وفيها يسخر من نفسه ومنّي ومن كلّ من سيقرأ نصّه ..يقول على لسان الراوي أنّه استيقظ على صوت منشار كهربائي يقصّ شجرة ما ..وإنّه قرأ فيها ” أنت حمار ” ويواصل سرد الحكاية إلى أن يقول :

” تجاوزت الشجرة، فسمعت صوت نهيق الحمار..انطفأ خيط الرضا الرفيع في داخلي، وتحسست بيديّ أذنيّ الطويلتين..”

هكذا يسخر من ذاته ومن الجميع..،الكلّ أحمرة تتهادى في الأسواق ولا من يقول لها ذلك…

في حكاية طريفة تحمل عنوان المجموعة أي ” طريق الحرير ” ينطلق الراوي من قطعة قماش في إطار خشبي أنيق ليلقينا في هوّة الأسئلة ، حاول أوّل الأمر تخيّل ما كان يقع في طريق التاريخي المسمّى بطريق الحرير انطلاقا من كون القطعة جاءت من الصين، فينجح في تصوّر ما حدث من عناق وصدام ( وكلّ ما قد يخطر في البال من هواجس مفرحة أو مرعبة ) ، ثمّ بعد ذلك وفي خاتمة القصة يتساءل عن سعة الدرج الذي أخفى فيه كلّ تلك العوالم ولخّص فيه آلاف الأميال ومئات القصص والوجه والأحداث الهامة ..، يتساءل كيف يستطيع فعل ذلك وهو يغلق الدرج بالمفتاح الصغير…

ثمّة قصص شدّتني منها ” شارع الموسيقى ” و ” غوانتنامو ” و” القصيدة ” نظرا للقدرة للمباغتة المفاجئة التي لدى يوسف ضمرة ..ففي نهاية كلّ قصة يأتيك بمعنى آخر لم تفكّر فيه ففي ” شارع الموسيقى ” تعلم أنّ الراوي يسكن في شارع يحمل نفس الاسم ..كما أعجبتني هذا الوصف ” استيقظت متعبا، وقبل خروجي إلى عملي، سلمتني زوجتي ورقة وهي تقول: لا تنس هذه الأغراض عند عودتك.وعند عودتي،كان عليّ أن أتدخّل مع آخرين من أبناء الشارع كي نوقف شجارا كاد يصبح داميا، وكان عليّ أن أحتمل ذلك الضجيج اليوميّ الذي يخرج من محلات الحدادة، قبل أن أجد نفسي في محل الخضار، أتفقد حبات البطاطا بأصابع فائقة الخبرة…” ، وتزداد إعجابا حين تعلم أن الشخص المعني بالأمر هو نفس الشخص المغرم بالبيانو طيلة ما فات من عمره..، على كلّ تضمّ مجموعة ” طريق الحرير” عشرين قصة أصدرتها وزارة الثقافة ضمن سلسلة إصدارات التفرغ الإبداعي…

حقيقة أعرف يوسف ضمرة من زمان بعيد..من قرابة الثلاثين سنة وهو يقصّ عليّ الدنيا كأبهى ما تكون وأتعس ما تكون..، إنّه حكائيّ من طراز رفيع ، له سرد طويل النفس ويوغل بي في تفاصيل التفاصيل دون أن يتعب..يغلق القصة كي يفتح أخرى..وأحسن ميزة فيه مقاومته للغبار المنتشر في كلّ فضاء ..وصموده رغم ما يقال وما لا يقال…

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً