الجريمة الثقافية في العراق للدكتور حسين القاصد

محمد الهادي الجزيري:

كان الشاعر العربي هو الناطق باسم قبيلته ، وهو سفيرها ، يمدح أهله حتى كأن لا أحد غيرهم على الأرض ، ويصد عن أهله ، ويهجم حتى لا يبقى للخصم ما يفخر به ، ويسجل أيامهم ومعاركهم ؛ فلقد كان يشغل ما يشبه في العصر الحديث وزارتين هما : الإعلام والخارجية ، ناطقاً وسفيرا مفاوضا شعراً ؛ ثم بدأ يتراجع فيصبح ثانويا ، بعد أن بدأ بالتكسب ، والتقرب للسلطة .

ولقد كان من عظيم حظ الدكتور حسين القاصد أن تتلمذ على الراحل الكبير د. عناد غزوان ، واكتسب منه ما اكتسب ، ثم كان له أن يحظى بصحبة الراحل الكبير د. محمد حسين الأعرجي ، فكان للأعرجي الفضل في شطب الزمن الميت ، حيث الموعد مع شيخ النقاد العراقيين الدكتور علي جواد الطاهر ؛ فلقد اقترح عليه أستاذي الأعرجي أن ادرس الشاعر ابن الشبل البغدادي في الماجستير ، وبعد أن وقف عند ابن الشبل ، وعرف معاناته مع السلجوقيين وفقهائهم من العراقيين ، تولدت لديه فكرة أن يتناول “الشاعر والسلطة في العراق من 1908 إلى 2003 ” ، لكن من نعم الله عليه هو أنه كان يريد التتلمذ بكل ما تعنيه كلمة التلمذة ، فكان له ذلك على يد مشرفه أ.د سعيد عدنان ، الذي وضع بصمته البيضاء على الكتاب ليصل إلى ما وصل إليه.

فقد جاءت خطة الكتاب من تمهيد وأربعة فصول ، وكان التمهيد سياحة تاريخية لملاحقة علاقة الشاعر بالسلطة من العصر الجاهلي حتى سقوط بغداد على يد المغول . بينما كان للفصل الأول أن يختص بأنواع السلطات في العراق ، ووقف عند سلطة الاحتلال العثماني و البريطاني ثم المملكة العراقية وملوكها ووزرائها ، وتابع سلطة العشيرة والإقطاع ، ثم الانقلابات والعهد الجمهوري إلى أن وصل إلى حكومة البعث . لينشغل الفصل الثاني بـ ” أدوات السلطة في استقطاب الشاعر وتوظيفه لها ، وكان من بين الأدوات تلويح السلطة بالمناصب الوظيفية ، واغتصاب اللغة وتزوير التاريخ ، وإشاعة الأدب القومي ، ومن ذلك ظهر المنهج البعثي في النقد العربي ، وكان للمؤسسة والصحافة الدور الكبير . أما الفصل الثالث فقد اختص بموالاة السلطة ومدحها ، ووقف عند تقلب الشعراء من سلطة إلى أخرى ، وأثر الأفكار الأيدلوجية في شعرهم ، وإحيائهم للمناسبات السلطوية . ليتفرغ الفصل الرابع إلى معارضة السلطة وهجائها ، والتفت الباحث في هذا الفصل إلى عدم هجاء الشعراء لحكومة البعث ، ووقف عند أسبابها ، كما وقف البحث عند هجاء من نوع آخر اقترح تسميته بـ “الهجاء الآمن ” وهو هجاء السلطة السابقة في حضرة السلطة الحاضنة المنقلبة على سابقتها ، وهذا الهجاء يوفر نوعا من الرضا أو يحقق المدح بشكل ما للسلطة الحاضنة من خلال مهاجمة الشاعر للعهد البائد .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock