Advertisements

الشيخ حمود السيابي يكتب: رحل العشاق والسبَّابة على زر الكاميرا!!!

رصد-أثير

نشر الشيخ حمود السيابي مقالا في وفاة ثلاثة من شباب عمان المجيدين أمس عنونه بـ “رحل العشاق والسبَّابة على زر الكاميرا !!!”
وتنشر “أثير” المقال للقارئ الكريم بنصه.

قد نرى الغمامة كتلة بلون البشارات ورائحة المطر ، بينما يراها المصورون خيولا بيضاء ، وفرسانا وسيوفا ، وجبالا معلقة بسلاسل من ثلج.

وقد نرى النخيل صفوفا من جريد تعتم قبابا خضراء ، ويراها المصورون ملائكة تصلي وتسبح ، وجحافل في ملابس مرقطة كبزات رجال الصاعقة وهي تتحفز لتدافع عن قرية توشك أن تستسلم للنوم.

وقد نستشعر لحظات الشروق في المساجد حين تنبهنا الساعة بأوان ركعتي ارتفاع الشمس ، أو نتيقن من جواز التنفل بعد تسلل شعاعها من النوافذ ومعها صخب النهار وشقشقة الطيور ورائحة طلع النخل ، بينما عشاق الصورة لا ينتظرون المطالع في ساعات المساجد ، ولا يتابعون تحرك الظلال على الحيطان ، بل يشرقون مع الشمس كل صباح ، ولا يدعونها تغيب قبل أن تطبق عليها مغاليق “الكاميرات” وقد تخلَّقت في أرحامها أجنة بآلاف الأوجه والزوايا ، وتدرجت ألوانها في عوالم خرافية بدءاً من زرقة الفجر الى احمرار الشفق وانتهاء بعتمة الغسق.

وقد نرى اليوم في مجمله رحلة قصيرة وعلينا أن نعمر ساعاته ذكراً وعملاً ، ويراه المبدعون مخاتلة طويلة لمفاجآته ، ومراودة لأسراره ، وعليهم أن يرصدوا دقائقه لتخلد.

وبهذا التمايز في استشعار اللحظات خرج أحمد العبادي ومحمد النهدي وعمان العدوي من بيوتهم ليخاتلوا فراشات تلثم زهور القت البنفسجية ، وليمسكوا أنفاسهم وهم يقبضون على تلابيب لقطة ارتواء النحل برحيق السدر والبوت والعلعلان ، ويتفننون في التشاقي مع “الصد” في أجرأ مغامراته بمياه الأفلاج.

خرج الثلاثة من بيوتهم ليصطادوا الغيم قبل أن ينقشع فيخلدونه كأجمل كحل يستحق ان يطبق عليه حاجبا الكاميرا ، ويخلدونه وهو يتسكب على الوهاد كزرافات من الملائكة في زيارة باذخة للأرض ، ويخلدونه وهو يسيل أودية وشعابا كاجمل مهرجان يشهده المكان ليجمع بين فرحة الحصى وابتسامات الأطفال وبشارات الكبار بمواسم الخصب.

وإذا كان حب عمان ينخر عظامنا حتى نخاع النخاع ، فإن المصورين أشدنا حبا وإخلاصا للحبيبة ، وأقدرنا في التعبير عن هذا الحب وأكثرنا وفاء للمحبوب.

ومن المؤكد أن جميعنا يفتتن بجمال عمان ويعشق أوديتها وأفلاجها ، ويحب نوقها وخيولها ، ولكن المصورين الذين يشاطروننا هذا العشق والافتتان لا يمرون مثلنا على الجمال كما نمر ، بل يشعلونه جمرا فيزهر لوحات لا كاللوحات ، وقصائد لا كالقصائد.

ونحن نمر بشموخ الحصون فنستدكر أمجاد الآباء ، وهم يمرون مثلنا فلا يكتفون بالاستذكار بل يشمون عبق الأمس ، ويتلمظون الجص فينبض ، والطين فتقوم قيامته.

ونحن نرى الوجوه فنسلم عليها ونصافحها ، ولكننا سرعان ما ننسى العابرين للدروب ، بينما يمر المصورون مثلنا ، ويسلمون ويصافحون مثلنا ، ولكنهم يستبقون كل الوجوه بتعبيراتها الإنسانية ومفارقاتها فلا ينسونها ولا تنساهم.

ونحن نمر بالصروح فنستشعر أذانات المساجد ، ونلملم بعثرات أحاديث المجالس والسبلات ، وسرعان ما تتعاقب الأيام وتتداعى الأبنية ، فهم يمرون كما نمر إلا إن الأذان يبقى مسموعا في حصائد كاميراتهم ، والحكايات في السبلات تتواصل حية ودافئة ، وكلما تداعى البناء وتقادم العهد باللوحات ترمم صورهم الخالدة ذاكرتنا فتقتلنت الذكريات.

ولأنهم يحبون الوطن اكثر منا ، ويعشقون صهيل خيوله وخرير أفلاجه وكحل عينيه ورنين خلاخيله أكثر منا ، كان لا بد للخواتيم أن تكون سعيدة كخواتيم قصص الحب العربية “التي يتزوج في نهايتها الأبطال”.

لقد خرج المصورون الثلاثة في رحلة حب ، وبينما كانوا يضغطون بسباباتهم على زر التصوير انعجنوا بالتراب الذي أحبوه فاختاروا الوقوف أمام الكاميرا هذه المرة ، لتصورهم الكاميرا بتقنية التصوير التلقائي ، وليكونوا هم عنوان اللقطة الخالدة ، التي لن يروها بعد التصوير ، ولن يكون بمقدورهم نقدها وتصحيحها والتدخل الفني فيها ، أو إضافة الرتوش الأخيرة كالتوازن في الإضاءة والألوان.

وحين نعود لنتصفح سجلات الفرسان الثلاثة ، ونقلب في ألبوماتهم قد تخرج الوجوه المصورة لتسألنا عنهم ، وقد تبكي الأمكنة المصورة وهي تعاتبنا في شوق ، فلا نملك إلا طمأنة الوجوه والأمكنة وكل المشاهد الضاجة والمصطخبة والثائرة والمشتاقة أن العشاق يحتفظون وحدهم بحميمية العلاقة وحميمية الإجابة على الأسئلة ، ووحدهم من سيضرب المواعيد مع العودة .

لقد رحل الثلاثة والسبابة على زر الكاميرا ، و اللقطة الأخيرة كانت لنخلة باسقة تشرب دمعة حب ، وعلى سعفاتها الطوال تلويحة الوداع.

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك رداً