م.شبيب المغيري يكتب: صرخة نفسية، ماذا تعرف عن مرض العباقرة؟ (1)

 

م . شبيب بن سالم بن خليفة المغيري

 

يعد موضوع الصحة النفسية من الموضوعات الحيوية في العصر الحالي ، كما أنه مصدر اهتمام لجميع الأفراد على اختلاف مواقعهم سواء كانوا متخصصين أو مربين، فالإنسان يسعى في حياته إلى أن يحقق أعلى درجة من درجات الصحة النفسية وراحة البال والتكيف، وتحقيق هذا الهدف ليس سهلاً ولا يمكن بلوغه دائماً ومن هذا المنطلق فإن الصحة النفسية نسبية، وكل فرد من أفراد المجتمع يواجه عدداً من المشكلات أو الضغوطات أو الكدمات النفسية أو الإرهاصات خلال حياته، البعض منهم يتعامل معها ويحلها ويحقق التكيف، والبعض الآخر لا يستطيع ذلك فيقع في بحر الاضطرابات النفسية. ومن ضمن هذه الاضطرابات هناك اضطراب يسمى الاضطراب الوجداني ثنائي القطب أو الهوس الاكتئابي أو الاضطراب ثنائي الاتجاهين وباللغة الانجليزية (Bipolar Mood Disorder) وهو أحد الاضطرابات المتفشية في المجتمع العماني على حد قول أحد اختصاصي أمراض نفسية بمستشفى المسرة الا أن السرية التي يحرص عليها أهالي المصابين فضلا عن خوف المصاب من معرفة المحيطين بمعاناته وردة فعلهم نحوه تجعل هذا النوع من الاضطراب يدخل في نفق التغييب والكتمان وبالتالي معاناة المصاب بصمت خصوصا في المجتمع العماني الذي هو كسائر المجتمعات العربية يعد ان اي مرض نفسي هو جنون وان الموضوع يجب ان يكون سريا خوفا على المصاب به من امور عدة وقد يكون خوفا من الفضيحة والعار كون الفكرة السائدة عن المرض النفسي سوداوية جدا.

هذه المقالة جاءت كصرخة نفسية ان صح التعبير في وجه كل ما سبق ذكره لاسيما وان الاضطراب الوجداني ثنائي القطب او اضطراب العباقرة والمبدعين هو مرض انتكاسي بات شائعا في ايامنا الحالية وقد يصيب اي فرد الا انه غير معروف لدى عامة المجتمع ولا توجد احصائيات عمانية بهذا الشأن ولا دراسات علمية عمانية بذات الخصوص فمن هذا المنطلق جاءت هذه الكلمات في اول مقالة عمانية جريئة لتعرف المجتمع العماني بهذا النوع من الاضطرابات النفسية والمطالبة بعدة حقوق من شأنها ان تسهم في تضميد الجرح النفسي للمصابين واهاليهم فيكفي ان المصاب يعيش حياة قاسية مع هذا المرض فلنكن معه لا عليه ولنشد على يده ونقول له نحن هنا … نحن معك … لا عليك .

تعالوا معي في رحلة تعريفية عن الاضطراب الوجداني ثنائي القطب .. اضطراب الأذكياء والفنانين. والشعراء وغيرهم .. هو أحد الأمراض النفسية المزمنة والمعقدة والمصاب به يصير حساسا للغاية وهو من أصعب أنواع الاكتئاب علاجا كما انه يعد خللا بكيمياء الدماغ حيث تتمثل أعراضه في شعور المريض بنوبات من الفرح الزائد الشدة ( الهوس ) او الحزن الزائد غير الطبيعي ( الاكتئاب) فيشعر المصاب بنوبات من الفرح الشديد والإقبال على الحياة وحب الحياة بشكل كبير لكن بعد فترة تطول أو تقصر يدخل الانسان المصاب في حالة من الحزن الشديد ويشعر كأن الدنيا قد ضاقت عليه بما رحبت مما يؤدي لشعور عظيم بالحزن ومحاولة الانتحار او قتل النفس . وكثيرا ما يكون الأشخاص المبدعون كالفنانين والعلماء أكثر عرضة للاصابة بهذا المرض وأيضا الاشخاص المنتظمين والاذكياء الذين لم تمنحهم الحياة فرصتهم كاملة لطرح افكارهم وتعرضوا للاحباط في تعاملهم مع الاخرين . ويعرف عن اغلبية المصابين انهم على وعي شديد ومستوى ثقافي وتنظيمي جد عالٍ وقوة ملاحظة وتركيز نادر الا انه ما من دليل علمي موثق حول المسبب الحقيقي لظهور هذا النوع من الاضطرابات الخطيرة ولكن يبدو ان هناك مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية التي تؤثر في ظهوره . وتشير التقديرات الى ان نحو 1% من المجموع السكاني عادة يعانون من الاضطراب ثنائي الاتجاهين حيث يمكن أن يحدث في أي عمر مع انه غالبا ما يظهر بعمر 15-30 سنة ويندر ظهوره بعد عمر 40 سنة ، ويصاب الرجال والنساء من مختلف الثقافات بالقدر نفسه تقريبا ، حيث تضعه منظمة الصحة العالمية سادسا في الترتيب ضمن قائمتها لمسببات العجز .

يمكن تقسيم مرض الهوس الاكتئابي ( ثنائي القطب) الى نوعين أساسيين : الهوس الاكتئابي من النوع الأول الذي يتميز بحدوث نوبة فرح زائد ( هوس شديد)  تدوم لفترة أسبوع على الأقل يحس خلالها المصاب بالسعادة والنشوة دون سبب وعدم الحاجة للنوم مع تدفق المعلومات للذهن وتواتر الأفكار والشعور بثقة النفس الزائدة مما يجعل الشخص يبذر أمواله دون تخطيط او يقدم على أفعال خطرة … إلخ. أما النوع الثاني من الهوس الاكتئابي فتصنف بإصابة المريض بنوبة اكتئاب كبرى واحدة ارفقتها نوبة هوس خفيفة ومن أعراضه مزاج مكتئب طوال اليوم ، الأرق او النوم كثيرا ، الشعور بانعدام الثقة بالنفس والفشل والشعور بالذنب مع فقدان القدرة على التركيز او اتخاذ القرارات البسيطة والتفكير المتكرر بالموت الخ .. الجدير بالاشارة الى ان النوع الاول يصيب عددا متطابقا من النساء والرجال على السواء في حين ان النوع الثاني من الاضطراب هو اكثر انتشار بين النساء.

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب يكاد يكوم مرضا مجهولا بأواسط المجتمعات العربية رغم انه جد منتشر تحوم حوله الخرافات والمغالطات وهو قد يخص لدى الاطفال والمراهقين والبالغين، فقد وجدت الدراسات أن نسبة الإصابة تصل إلى 25% في الأبناء إذا كان أحد الوالدين يعاني من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ، و قد تصل إلى 75% إذا كان الأبوان كلاهما مصاباً باضطراب وجداني ثنائي القطب.

يتطلب هذا المرض الرقابة الطبية وهذا يعني تناول الجرعة الوقائية تحت الاسترشاد الطبي، والجرعة الوقائية الدوائية تعد مهمة جدًّا في كثير من الحالات. هذا لا يعني أن هذه الحالات صعبة ومعقدة، فقد تكون صعبة ومعقدة إذا أهمل صاحبها علاجها، أما إذا انتظم الإنسان في العلاج واتبع الإرشاد الطبي فنستطيع أن نقول إن 70% إلى 80% من هذه الحالات يمكن أن تعالج بصورة ممتازة جدًّا.

إن علاج هذا المرض يختلف من مريض الى اخر فما يفيد مريضا قد لا يؤثر في اخر ولذلك من المهم استشارة الطبيب للوصول الى افضل طريق للعلاج. والعلاج ينقسم الى علاج دوائي وعلاج نفسي (جلسات استشارة ) وعلاج الصدمات الكهربائية .

ولما للمرض من طبيعة غامضة فهناك العديد من الادوية التي تستخدم في علاجه كمثبتات المزاج ( اشهرها اقراص الليثيوم ) ومضادات الاكتئاب . اما في حال لم يتم استجابة المريض للعلاجات السابقة فانه يتعرض لعلاج الصدمات الكهربائية تحت وضع التخدير العام . ان من اصعب ما قد تواجهه عائلة المريض هو رفض المريض لفكرة العلاج ، وذلك لعدم إدراكه بأنه مريض (فقد الاستبصار) لاسيما وان هذا المرض خداع فيخيل للمريض انه في حال الفرح الزائد ( الهوس الشديد) انها قمة الايجابية والانطلاق لذا يأتي رفضه الذي قد يصل لحد العنف مع المحيطين به .

هناك امور معينة يجب ان يتم مراعاتها في التعامل مع المريض النفسي بشكل عام , فعادة الناس يتعاطفون مع أي مريض يعاني من مرض عضوي مثل القلب او السكر او غير ذلك من الامراض العضوية ويعرفون جيدا كيف يتم التعامل معه ومراعاة شعوره لانهم يلتمسون باعينهم الاصابة لكن مع الاسف نجد القليل النادر من يتفهم التعامل مع المرضي النفسيين او يتعاطف مع شخص مصاب باضطراب القلق او الاكتئاب او الاضطراب الوجداني لانهم لا يشاهدون المرض باعينهم لذا نجد الشخص المريض يعاني من المرض داخلياً دون مساندة من احد بالرغم من كون المريض النفسي هو اكثر شخص يحتاج للدعم النفسي ممن حوله لان هذا جزء هام في علاج المرضي النفسيين .

هذا المرض والذي كثيراً ما يمر على بعض العاملين في مجال الصحة النفسية دون أن يستطيعوا تشخيصه نظراً لأن أعراضه أحياناً كثيراً ما تكون تختلط مع بعض الاضطرابات النفسية والعقلية، بل إن المرضى كثيراً ما يعيشون حياة صعبة ولا يُراجعون الأطباء النفسيين، وكذلك لا يطلبون المساعدة الطبية من أي جهة علاجية للأمراض النفسية والعقلية. هذا الاضطراب والذي عانى منه كثير من المشهورين والعظماء مثل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الذي يُعد من أعظم رؤساء الوزارات والذي قُدّر له أن يقود بريطانيا العظمى في أحلك وأصعب الأوقات وهي فترة الحرب العالمية الثانية، وقاد بريطانيا إلى الانتصار وجنّبها الكثير من الويلات في هذه الحرب المُدمّرة. ونستون تشرشل كان يعرف أنه مصاب بهذا المرض، وثقافته ووعيه جعله يتناول الأدوية المتوفرة في تلك الفترة حتى يتجنب الانتكاسات التي تصيب الأشخاص الذين يُعانون من هذا الاضطراب المزعج. كان ونستون تشرشل يُسمي نوبات الكآبة التي هي الطرف الآخر في هذا الاضطراب «الكلب الأسود» (The Black Dog)، وبقي هذا الوصف البليغ مستخدماً من قبل الكثيرين الذين يُعانون من هذا الاضطراب.

هذه نبذة بسيطة عن هذا المرض المجهول لدى الكثيرين و وقد يكون من الصعب جدًا، ان يكون لديك شخص قريب منك يعاني هذا المرض ولكنه امر يحتاج الى المزيد من الصبر والتفهم للمرض، ففهمك أعراض المرض وطريقة علاجه يمكن ان يكون علامة فارقة في علاج المرض ويمكن ان يدعم المريض كثيرًا، ومن الضروري أن تحترم عائلته إنسانيته ورغباته، ولكن الحال تختلف في بعض حالات الاضطراب التي يكون فيها المريض هو الطفل وهنا نطلب من الاهل ضرورة مراعاته والاهتمام به، وايضًا اذا كان المريض من كبار السن فيجب الاهتمام به ورعايته وأن يحتووه ، وأن يقفوا بجانبه حتى يجتاز المحنة التي يعيشها، ومن الضروري ألا يعرضوه إلى التعايش مع مشاكل طويلة المدى ما يسبب له القلق والتوتر والإحباط اي توفير الظروف البيئية والنفسية والاجتماعية المناسبة والمريحة التي تساعده على استعادة القدرة على مواصلة حياته بشكل طبيعي.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. اولا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ثانيا الموضوع نوعا ما جديد على الساحة العمانيه واتمني يتم التركيز عليه بشكل مكثف
    اشكر كاتب الموضوع على هالطرح الجميل واتمني اضافات جديده في نفس الموضوع لنتمكن من التعرف على الموضوع بشكل اكبر

  2. المقال رائع ومميز كونه يحتض موضوعا مهما يحتاج المجتمع تسليط الضوء عليه والوقوف عنده ومساعدة وتقديم العون للمصابين به على كافة الأصعدة الصحية والنفسية والاجتماعية..ننتظر الجزء الثاني من المقال شاكرين لكاتبه كل الشكر ومتمنين له دوام التألق والرقي

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock